آراء حرة

تأملات في آيات الصيام الجزء الثاني

كتب/ د. علاء إسماعيل الحمزاوي

 

بعد أن عرض القرآن لفلسفة التخفيف في الصيام انتقل إلى بيان عدد أيام الصيام، فقال: {ولتكملوا العدة}، وقد يكون الخطاب للمقيمين، والمقصود لتكملوا أيام الشهر سواء أكان ثلاثين يوما أم تسعة وعشرين يوما، وقد يكون لأصحاب الرخص المفطرين في رمضان، أي لتكملوا عدد أيام الصيام التي صامها المقيمون، ولذلك لم يقل: {ولتكملوا الشهر}، ولا مانع من الجمع بين المعنيين.

ثم قال: {ولتكبّروا الله على ما هداكم}، أي لتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم، وهو كقوله: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا}، وقوله: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ}

ولهذا جاءت السنة باستحباب

التسبيح والتحميد والتكبير بعد الصلوات المكتوبات

وعن ابن عباس: ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله إلا بالتكبير; ولهذا أخذ معظم العلماء مشروعية التكبير في عيد الفطر من هذه الآية {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله}، بل ذهب بعضهم إلى وجوب التكبير في عيد الفطر; عملا بظاهر النص {ولتكبّروا الله على ما هداكم}، ثم قال: {ولعلكم تشكرون}، أي إذا قمتم بما أمركم الله من طاعته بأداء فرائضه وترك محارمه وحفظ حدوده فلعلكم تكونون بذلك شاكرين.

ــ ثم امتن ربنا على شهر رمضان بفضيلة ثالثة، فما هي؟ 

 

عاد ربنا فامتن على شهر رمضان بفضيلة ثالثة هي فضيلة استجابة الدعاء، ففي سياق الحديث عن رمضان قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}، والمراد سيسألك عبادي عني، وأضمر {قــــل} ليؤكد إلغاء الواسطة بين العبد وربه حتى لو كان النبي هو الواسطة

وبالتالي فلا يجوز أن يتوسل المسلم في دعائه بالنبي أو بغيره تقربا إلى الله، فليس بين العبد وربه حجاب،

لكن الآية تثير سؤالا:هل كل من يدعو يستجاب له؟

ألا يدعو بعض الناس ويبالغ في الدعاء والتضرع ولا يُجاب؟

هذه الآية مطلقة في الدعاء قيدتها آية أخرى، هي {بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء}، والمطلق محمول على المقيد، ومع ذلك فإن الداعي لابـد أن يجد من دعائه عوضا، إما إسعافا بحاجته التي لأجلها دعا وذلك إذا وافق القضاء، فإذا لم يساعده القضاء فإنه يُعطى سكينة في نفسه وانشراحا في صدره وصبرا يسهل معه احتمال البلاء الحاضر، فلا يعدم فائدة، وهو نوع من الاستجابة، ولذلك جاء في الحديث “ما من مسلم يدعو دعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يُعجّل له دعوته، وإما أن يؤخّرها له في الآخرة، وإما أن يكفّ عنه من الشر مثلها، قالوا: إذن نُكثِر، قال: الله أكثر”؛ ولذلك لم تحدد الآية توقيت الإجابة، إنما وعدت بها.

ثم قال تعالى: {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}، في هذا النص يأمر الله العباد أن يستجيبوا لدعائه، وهل ربنا يدعو العبد؟ نعم يدعو للإيمان به ويدعوه لإقامة شعائره ويدعوه إلى فعل الخير واجتناب الشر، واستجابة العبد لدعاء الله تؤدي إلى الرشاد والهدى، والمتأمل يلاحظ أن الله بفضله وكرمه لم يربط استجابته لدعاء العبد باستجابة العبد لدعائه، بل وعد أولا باستجابة من يدعوه، ثم أمر عباده أن يستجيبوا له فيما أمر ونهى

انتقل القرآن إلى الحديث عن المباحات وتحديد مدة الصيام، فقال: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ}، وفي بداية التشريع لم تكن مدة الصوم محددة من الفجر إلى المغرب، بل كان الإفطار محددا بدخول العتمة (المغرب)، وكان الصيام محددا بصلاة العشاء وبالنوم حتى ولو بعد المغرب مباشرة، فكان المسلمون يأكلون ويشربون ويأتون نساءهم ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا، ثم حدث أن رجلا صائما كان يعمل طيلة النهار، فجاء إلى أهله فصلى المغرب، ثم نام قبل أن يفطر، فوجب عليه مواصلة الصوم، فرآه النبي وعليه آثار التعب والجهد، فقال: ما لي أراك قد جهدت جهدا شديدا؟ قال: يا رسول الله إني عملت أمس فجئت حين جئت فألقيت نفسي فنمت، فأصبحت حين أصبحت صائما، وفي الوقت نفسه أصاب عمر من نسائه بعد ما نام، فذكر ذلك للنبي، فلم يجبهما بشيء، فتغمدتهما والمسلمين جميعا رحمة الله،

فأنزل الله {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} .

قال الله: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ…}، بدأت الآية بحكم عام للمسلمين، والرفث يطلق على القول الفاحش القبيح، وهو المعنى المقصود في آية الحج {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} وفي حديث الصيام “فإذا كان صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق”، ومن ثم فالتعبير عن المعاشرة الزوجية بـ”الرفث” أمر لافت للنظر؛ لأن القرآن عبّر عنها بكلمات رقيقة عفيفة مثل: الإفضاء {أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ}، والتغشّي {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا}، والملامسة {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ}، والدخول {اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ}، والاستمتاع {فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}، والقرب {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ}، والمباشرة {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ}، والطمث {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ}

فلماذا عبّر عن المعاشرة هنا بالرفث وهو لفظ يحمل دلالة القبح والفحش؟ أعتقد أن السياق اقتضاه، فهو سياق استهجان لسلوك بعض المسلمين في بداية التشريع؛ حيث كانوا يعاشرون زوجاتهم بعد النوم أو بعد صلاة العشاء خلافا للتشريع، حتى وصفه الله بالخيانة في قوله: {تختانون أنفسكم}، فجاء التعبير بالرفث للانسجام بين دلالة الكلمة واستهجان تصرفهم منهم، والرفث بمعنييه (الفحش والمعاشرة) مقصود في الآية، فالجماع بمقدماته الكلامية كان محرما وصار مباحا، والتعبير بالفعل “أحـــلّ” يؤكد ذاك.

ثم قال تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ}، تعبير موجز بليغ يصف بدقة العلاقة الزوجية، فأقرب الناس للزوج زوجته، وهو أقرب الناس إليها، ولاسيما حينما يفضي كلاهما للآخر، فيصير لصاحبه كالثوب الذي يلبسه، فيستره عن الناس، وكما أن اللباس خاص بالإنسان لا يشاركه فيه أحد فكذلك الزوجة ملك لزوجها لا يشاركه فيها أحد، والزوج ملك للزوجة لا يشاركها فيه غيرها، وجاء هذا التعبير في هذا السياق؛ لأن المرء لا يستطيع الصبر والابتعاد عن ملابسه التي تستره فكذلك لا يستطيع الابتعاد عن زوجه؛ لذلك رخّص الله الرفث في ليلة الصيام

بعد أن تحدث ربنا عن العلاقة الوطيدة بين الزوجين أبان عما كان يقع من بعض المسلمين فقال: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ}، والخيانة هي الغدر وعدم الوفاء بالعهد، {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ} أي غدرا، وهي عدم أداء الأمانة، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ}، وتطلق على المعصية، {وَإِن يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ}، و(تختانون) من الاختيان، وهو مراودة الخيانة، ولم يقل: تخونون أنفسكم؛ لأنه لم تكن منهم خيانة بل كان منهم اختيان، وهو تحرّك شهوة الإِنسان لتحري الخيانة، وهو المراد في قوله: {إِنَّ النفسَ لأَمَّارَةٌ بالسُّوءِ}، والمعنى أنكم كنتم تراودون أنفسكم على مباشرة نسائكم ليلا وعلى الأكل بعد النوم قبل أن يظهر الفجر الصادق، وقيل: الاختيان هو الشدة والمبالغة في الخيانة، والخيانة هنا المعصية المتمثلة في المعاشرة الزوجية في وقت النهي، وكلمة (كنتم) تدل على استمرارهم في تلك المعصية، وهي خيانة لله ولرسوله تستلزم توبة منهم، لذا قال: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ}، هذه التوبة من الله تقتضي توبة منهم أولا

ولذا ثمة إضمار تقديره (فتبتم فتاب عليكم)، أما {عفا عنكم} فله معنيان: العفو بمعنى التوسعة، أي وسّع عليكم بأن أباح لكم الأكل والشرب والمعاشرة في كل الليل؛ لأن لفظ العفو يستعمل بمعنى التوسعة والتخفيف، والمعنى الثاني للعفو أنه بمعنى محو الذنب، أي عفا عن ذنوبكم؛ ولذا قال تعالى: {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}، أمر بإباحة المعاشرة الزوجية عقب الحظر

لكن لماذا عبر عنها بالمباشرة؟ 

{فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}، أمر بإباحة المعاشرة الزوجية عقب الحظر، وسُمي الجماع مباشرة لتلاصق البشرتين وانضمامهما، وقيل: هو الجماع ومقدماته من التعانق والتقبيل والملامسة وغير ذلك، لكن مذهب الجمهور أن المقصود بالمباشرة الجماع، ولم يُبح ربنا المباشرة للاستمتاع فقط، بل من أجل المباشرة مع التناسل؛ لأن في التناسل استمرارا للحياة، وفي الحديث “تناكحوا تناسلوا تكثروا”

ولذا قال ربنا: {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}، فالابتغاء هو الطلب برغبة وحب، واختلف المفسرون في المبتَغَى، فقيل: هو الجماع والتعفف عن إتيان الحرام، وقيل: الذرية الصالحة، وقيل: ليلة القدر وقيل: ما أحله الله للمسلمين، وقيل: جميع معاني الخير، و(كتب) بمعنى (جعل) كقوله تعالى: {فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}، أو بمعنى (قضى) كقوله: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا}، ولا مانع من قصد المعنيين.

وكما وسّع ربنا علينا في الرفث وسّع علينا في الأكل والشرب، فقال تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}، أمر بإباحة الأكل والشرب من المغرب إلى الفجر، والخيط الأبيض أول ما يبدو من الفجر الصادق، والخيط الأسود ما يمتد من ظلمة الليل مع بياض الفجر، وسُمي فجرا؛ لأن أصله الشق، فهو انشقاق ظلمة الليل بنور الصبح، وصيغة (يتبيّن) تفيد التأكد من ظهور نور الفجر، لا مجرد التوهم، وهذا يعني أن العبادات قائمة على اليقين والتثبت

لما نزل {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} أخذ أحد الصحابة عقالين أبيض وأسود (حبلين)، فجعلهما تحت وسادته، وكان يقوم من الليل فينظر إليهما، فلم يتبين له الأبيض من الأسود، فلما أصبح غدا إلى رسول الله، فأخبره فضحك النبي، وقال له: إنك لعريض القفا، إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل، و(عريض القفا) تعبير قصد منه أن وسادتك إنْ كانت تغطي الخيطين اللذين أرادهما الله فهي إذا عريضة واسعة، والوساد الذي يغطي الليل والنهار لا يرقد عليه إلا قفا عريض للمناسبة‏، والمراد أن الخيطين اللذين أرادهما الله لا يدخلان تحت وسادتك‏؟‏ والنص يبين أن الصيام يبدأ من الفجر إلى الليل، والليل يبدأ من المغرب؛ لقول النبي: “إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، وقد غربت الشمس فقد أفطر الصائم”، وقوله تعالى: {ثم أتمُّوا الصيام إلى الليل} بيان لانتهاء وقت الصيام، فهو يبدأ من طلوع الفجر وينتهي بدخول الليل عند غروب الشمس (المغرب)، والليل ليس داخلا فيه؛ ومن هنا رغّب النبي في تعجيل الفطر، ومن يتعمد تأخير الإفطار ظنا في مزيد من الثواب فقد يأثم لمخالفته الشرع، ونهى النبي عن مواصلة الصيام، فقال: “لا تُواصِلوا، قالوا: إنك تواصل يا رسول الله، قال: لست كأحد منكم إني أظل يطعمني ربي ويسقيني”.

ثم انتقل الخطاب من الإباحة إلى التحريم، قال تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}، ومعنى هذا أن المباشرة محرمة بالليل والنهار مادام المسلم معتكفا؛ لأن الاعتكاف عبادة، وهو سنة عن النبي قُربَة إلى الله، ولا يكون إلا في المسجد، وفسّر بعض العلماء المباشرة بالجماع ومقدماته من الملامسة والمعانقة وغير ذلك؛ لأن لفظ المباشرة مشتق من تلاصق البشرتين، لكن العلماء متفقون على أن المراد بالمباشرة هنا الجماع.

ختم ربنا آيات الصيام بتحذير شديد، حيث قال: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}، والحدود جمع حــد وهو الفاصل بين شيئين، وحدود الله أحكامه ومحاذيره، وسُميت حدودا؛ لأنها حاجز بين الحق والباطل، فهي حــدّ بينهما، والحدود في القرآن نوعان: حدود نهى الله عن تجاوزها وتعديها، فقال: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا}، و{مَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نفْسَهُ}، وحدود نهى الله عن قربها، فقال: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا}، ومن خلال الأمثلة القرآنية يبدو لنا أن الله تعالى حينما يتحدث عن المباح والحلال يكون النهي عن التعدي، فمثلا إذا طلق رجل زوجته لسبب ما فهذا حقه، لكن يجب أن ألا تخرج من بيتها مدة العدة ما لم تأتِ بفاحشة مبينة، وهذه حدود الله، فإذا أجبرها زوجها على الخروج فقد تعدّى حدود الله، وإذا تعمد المسلم تأخير الإفطار إلى الليل فقد تعدى حدود الله، ومن صلى العصر مثلا متعمدا قبل دخول وقته أو بعد انتهائه فقد تعدى حدود الله، وحينما يتحدث ربنا تعالى عن المحرّمات والجرائم يكون النهي عن القرب منها؛ لأن الوقوع فيها جريمة وذنب عظيم، كالصلاة في حالة السُّكْر وأكل مال اليتيم وإتيان الفاحشة، فقال ربنا: {لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى}، وقال: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، {وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}، فكلها جرائم خطيرة، ومن تلك الجرائم المعاشرة الزوجية في نهار رمضان وفي المساجد وقت الاعتكاف، فقال ربنا: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا}، وبذلك يكون الله قد أكد رعايته لمصالح العباد ومنافعهم بأسلوب بليغ جمع بين الترغيب والترهيب والإِباحة والتحريم وغير ذلك من أنواع الهداية والإِرشاد إلى ما يسعد الناس في دينهم ودنياهم، ثم قال تعالى: {كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}، أي يبيّن الله لكم أدلته وحججه؛ لكي تصونوا أنفسكم عما يؤدي بكم إلى العقوبة، وتنالوا رضا الله..وللحديث بقية

 

زر الذهاب إلى الأعلى