آراء حرة

تأملات في شهر الصيام

كتب: د/ علاء إسماعيل الحمزاوي

حينما شرع الإسلام العبادات شرعها لغايات وأهداف منشودة، منها تحقيق مصالح العباد، فالصلاة تقوّم سلوك الإنسان، فيستقيم المجتمع، والحج يحقق الهدف نفسه بالإضافة إلى التعارف لتدارس أحوال الأمة وحل مشكلاتها، والصيام يخلّص الإنسان من أمراض الطعام والشراب، فضلا عن الاعتياد على التحمّل ومواجهة الصعاب والمراقبة الذاتية والإحساس بالفقراء

فتلين القلوب وترقّ والتصدّق يحقق التكافل الاجتماعي بين الناس، فضلا عن أنه طهارة للمنفِق من الإثم وتنقية للفقير من الحقد، ولذلك شدد ربنا في القرآن على الإنفاق والتصدق ما بين الأمر والترغيب والترهيب، كقوله تعالى: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ}، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}، وربط الله البر بالإنفاق، فقال تعالى: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}، والبر هو الجنة، ووعد الله بمضاعفة الخير للكريم، فقال تعالى: {وما تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ}، وجعل التصدق تطهيرا للمسلم من الذنوب، فقال للنبي: “خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بها”

كان النبي حريصا على نشر ثقافة الإنفاق والتصدق بين صحابته الكرام، وكان هو الأسوة في ذلك، فما سُئل إلا أعطى، جاءه رجل فأعطاه غَنما بين جبَلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلِمُوا، فإن محمدا يعطي عطاءَ من لا يخشى الفقر، وبلغ عطاؤه هو وأصحابه حد الإيثار؛ حتى قال الله فيهم: {يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة}، ومن أمثلة الإيثار لرسول الله أن امرأة أهدته شمْلة (عباءة) فقبلها النبي ولبسها، فكانت جميلة عليه، فأُعجِب بها رجل، فقال: ما أحسنها عليك يا رسول الله! اكسُنيها، فأعطاه إياها رغم احتياجه إليها، فلما انصرف رسول الله لام الصحابة الرجل على فعله، قالوا له: لم تحسن في طلبك إياها؛ لأن النبي بحاجة إليها، وقد علمت أنه لا يُسأل شيئا فيمنعه، فقال الرجل: رجوت بركتها حين لبسها رسول الله، لعلي أكفّن فيها .. واقتدى أبوبكر بالنبي فتصدق بكل ماله

واقتدى عمر بالنبي، فجاءه سائل بليغ يسأله، فماذا أعطاه؟ 

فهذا عمر قد أتاه سائل بليغ، فقال له: يا عمر الخيرِ جُزيتَ الجنّهْ .. اُكـــسُ بُنيّاتـــي وأُمّهنّهْ .. وكــنْ لنا من الزمان جُـنّـهْ ..

أقســمُ باللهِ لتفـعلنّهْ، فقال عمر: إن لم أفعل فماذا يكـون؟

فقال السائل: إذاً أبا حفص لأذهبنّـــهْ، فقال عمر: وإذا ذهبت فماذا يكون؟

فقال السائل: تكون عن حالي لتُسألنّهْ .. يوم تكون الأُعطياتُ هـنّهْ .. ومـوقفُ المســئول بيْنَهنّـهْ .. إمّـــا إلي نـــــار وإمّـا جــنـــّهْ، فبكي عمر حتى ابتلت لحيته، وخلع قميصه وأعطاه للرجل؛ فلا يملك غيره.

والتصدق كالصلاة فرض ونفل والفرض نوعان:

زكاة الفطر

وزكاة المال وهو كل ما يترجم إلى مال

وزكاة الفطر فرض على كل مسلم ومسلمة حتى لو وُلِد ليلة العيد، يخرجها المسلم عن نفسه وعمن يعول إذا كان يمتلك قوته، ومن تطوع فهو خير له عند ربه، وارتباطها برمضان يعوّدنا على التصدق والإنفاق في غير رمضان، أما زكاة المال فلها قواعد أخرى،

يتميز شهر رمضان بثلاث ميزات:

زكاة الفطر، وهي واجبة على كل مسلم ومسلمة بشكل مطلق، يخرجها المسلم عن نفسه وعمن يعول، والأصل أن تكون عينا من الطعام الغالب على المجتمع كالقمح والأرز في مصر، ويجوز بقوة إخراجها نقدا، ففي ذلك تحقيق لفلسفة تشريعها، وهي إغناء الفقراء “أغنوهم في هذا اليوم عن المسألة”

والميزة الثانية هي الاعتكاف، وهو عبادة يتقرب بها المسلم إلى الله، وهو جائز للرجل والمرأة والصغير والكبير، والأصل ألا يكون إلا في المسجد، لقوله تعالى: {وطهرا بيتي للطائفين والعاكفين} وقوله تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}، وتخفّف بعض العلماء فيه للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها، والمقصود به اتخاذ ركن من البيت مسجدا للصلاة، لكن إذا منع مانع قهري كمصيبة كورونا من الاعتكاف بالمساجد فلا مانع أبدا من الاعتكاف في مسجد البيت للرجل والمرأة، حتى لا تسقط العبادة، ويكفي لإقامة هذه العبادة اعتكاف ساعة مع توافر النية؛ لعدم وجود دليل يحدد مدة معينة للاعتكاف، لكن الأرجح والأقوى ما جرى عليه العُـــرف أنه اعتكاف، وهو ما لا يقل عن يوم كامل ..

مما فضل الله به شهر رمضان أن شرّفه

بليلة القدر، وشرّفها بإنزال القرآن فيها، {إنا أنزلناه في ليلة القدر}، أي الليلة العظيمة المباركة كما وصفها ربنا في قوله: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة}، والمقصود بنزول القرآن هنا نزوله جملة واحدة من اللوح المحفوظ بجوار العرش إلى بيت العزة في السماء الدنيا، أما نزوله إلى الأرض فكان مفرّقا استغرق ثلاثا وعشرين سنة مدة حياة النبي من بعد الوحي إليه.

وليلة القدر منحة ربانية للمسلمين، فالعمل الصالح فيها أفضل من عمل الإنسان طيلة عمره؛ لأن العدد (ألف) لا يحمل دلالة العدد في ذاته، إنما دلالته الكثرة والمبالغة، كالعدد (سبعة) والعدد (سبعين)، فالغاية من ليلة القدر أنها تكفر ذنوب العمر مهما بلغ.

وليلة القدر تدق إنذارا بخطورة الشحناء، فقد خرج النبي على الصحابة؛ ليخبرهم بليلة القدر، فوجد رجلين يتخاصمان بصوت عال، فقال النبي: “خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان، فرُفِعتْ، وعسى أن يكون خيرا لكم، فالتمسوها في السبع والتسع والخمس”، وتقديم (السبع) رجاء أن تكون ليلة القدر هي ليلة سبع وعشرين، لكنّ في إخفائها خيرا للمسلمين؛ حيث يُكثِرون من الأعمال الصالحة تقربا إلى الله، ويستفاد من الحديث أن الشحناء محبطة للعمل مانعة للخير بل مدمرة للعلاقات الاجتماعية، وخاصة بين الأهــل والأقارب، ولذلك حثّ النبي على صلة الرحم والإصلاح بين المتخاصمين

فقال: “ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟

قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين”، والبَيْن من ألفاظ الأضداد، يأتي بمعنى الوصل والقرب، ويأتي بمعنى الفرقة والبعد، وفقا للسياق مدحا أو ذما، ثم خُصّص بمعنى النَسَب والقرابة وذوي الأرحام؛ لعلو قيمة الصلة بينهم، ومن ثم فهذه الأيام المباركة فرصة طيبة لوصل الأرحام وإنهاء القطيعة بين الأهل وبين الأصحاب وبين الجيران ، فتواصلوا يرحمكم الله ببركة ليلة القدر، وثمة فضل آخر لليلة القدر، فهي ليلة .. للحديث بقية

 

زر الذهاب إلى الأعلى