آراء حرة

تأملات في شهر الصيام الجزء الثاني

كتب/د. علاء إسماعيل الحمزاوي

شهر رمضان يتميز بثلاث مزايا (ثلاث عبادات)

زكاة الفطر

والاعتكاف

وليلة القدر

وأهم ما يميز ليلة القدر أنها ليلة السلام، {سلام هي حتى مطلع الفجر}، سلام من الله علينا، فالله هو السلام، وديننا هو الإسلام، ومعناه أن نسلم الأمر إلى الله، وكل الأديان (الشرائع) السماوية قائمة على ذلك، وهذا هو المعنى الواسع لقوله تعالى: {إنّ الدِّينَ عندَ اللهِ الإسلامُ}، والسلام هو دعاء للآخر أن يسلّمه الله من كل سوء ومكروه؛ ومن ثم كثر تردد {السلام} في القرآن، فهو صفة لله {الملك القدوس السلام}، وهو تحية المؤمنين لربهم يوم القيامة {تحيتهم يوم يلقونه سلام}، وهو تحية الله لهم في دخول الجنة {ادخلوها بسلام}، وهو تحية المؤمنين في الجنة {تحيتهم فيها سلام}، وهو تحية الملائكة لهم {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم}، وكان تحية الله للنبي عند سدرة المنتهى، حيث قال النبي: “التحيات لله والصلوات لله، فقال الله: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله، فرد النبي: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فقال جبريل: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فقالت الملائكة: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد”، وهو تحية المسلمين للكعبة حين يرونها “اللهم أنت السلام، ومنك السلام، حيّنا ربنا بالسلام، وأمتنا بسلام، وأدخلنا الجنة بسلام، اللهم زد بيتك هذا تشريفا وتعظيما، وزد من حجه أو اعتمره برا وتكريما”، ولإعلاء قيمة السلام صار ركنا من أركان الصلاة، فإحرامها التكبير وتحليلها السلام، وهو تحية المسلمين في الدنيا “السلام عليكم ورحمة الله”؛ ليبقى السلام في قلوبهم، فيسعوا له ليعيشوا فيه، لكن لماذا جعل الله للسلام هذه المكانة؟

ذكرنا أن أهم ما يميز ليلة القدر أنها ليلة السلام، لماذا؟ لأن الله خلق الناس لهدفين: هدف أسمى وهو العبادة “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”، وهدف سامٍ، وهو عمارة الأرض {هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها}، والهدفان لا يتحققان إلا بالاستقرار، فلا حياة ولا عبادة حقيقية بدون استقرار، ولا استقرار بدون سلام، فالسلام هو أساس البناء والتعمير والتقدم، وهو سبب السعادة في الآخرة؛ لأن دخول الجنة موقوف على إفشاء السلام بين الناس في الدنيا، ففي الحديث “لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم”، والسلام المقصود هنا ليس مقصورا على كلمة التحية (السلام عليكم)، إنما هو أعمق من هذا، إنه التعايش في سلام على مستوى الأفراد والأسر والمجتمعات، هذا السلام هو ما نسميه بالتعايش السلمي؛ ولأنه السبيل الأول إلى تحقيق الاستقرار والبناء نهى النبي عن كل صفة تعرقل تحقيق السلام داخل المجتمع، فقال: “إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا”، والتباغض الكراهة، والتناجش الزيادة في السلعة، والتدابر التباعد والهجر، أي أن يولّي كل واحد دبره للآخر خصاما، والعالم كله بحاجة إلى سلام حقيقي، فلا ارتقاء بدون سلام

من فضل الله علينا أن منحنا صيام رمضان مع الصلاة والقيام والتهجد فيه، فينبغي ألا تفتر ألسنتنا وقلوبنا عن الذكر والشكر لله على هذه النعمة، ولنتدبر قليلا .. فمن الناس من حرم من الصيام والقيام بعذر أو بدون عذر، ومنهم كان معنا وهو الآن في قبره لا يستطيع زيادة حسنة واحدة لنفسه وربما يقول: رب ارجعون .. وإن ثواب صيام رمضان مع الصلاة يصل إلى أجر الشهيد أو يزيد، فقد روي أن رجلين من أهل اليمن نزلا على طلحة بن عبيد الله في المدينة، ثم استُشهِد أحدهما في الغزو مع رسول الله، ومكث الآخر بعده سنة، ثم مات على فراشه، فرأى طلحة في منامه أن الذي مات على فراشه دخل الجنة قبل صاحبه بزمن، فلما أصبح ذكر ذلك لرسول الله، فقال له النبي: “كم مكث في الأرض بعده؟ قال: حولا (سنة)، فقال النبي: “صلى ألفا وثماني مائة صلاة، وصام رمضان” ..

انشطوا يرحمكم الله!! اعتاد المسلمون أن ينشطوا في التعبد حتى ليلة 27 من رمضان على أنها ليلة القدر، ثم يعودون لحالة الراحة والاسترخاء كأن رمضان انتهى، ولديهم قناعة ورضا بما قدموه من خير، والمبتغَى ألا نستسلم لذلك، بل علينا أن نجدّ ونجتهد حتى صلاة العيد، وأن ندعو الله بقبول الصيام والقيام والتصدق، فقبول العمل أهم من العمل، فمن الناس من يقول الله فيهم: {وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا}، ومنهم من يرفعه عمله إلى الدرجات العلى، وهذا ما يفسّر لنا توجّه سيدنا إبراهيم إلى الله بالدعاء بعد أن انتهى من بناء الكعبة {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم}؛ لأنه كان مدركا أن قبول العمل أهـم من العمل مع أن الله هو الذي أمره بالبناء .. كذلك ختام العمل أهم من كثرة العمل، فخير العمل ختامه، بل إن الأعمال بخواتيمها، فلا نتكل على ما عملناه من خير طوال الشهر، ولنبتهل إلى الله أن يحسن خواتيم أعمالنا فيه، تقبّل الله صالح أعمالكم وأثابكم بها حسن الثواب..

ماذا نفيد من رمضان؟ هو شهر الخير والكرم وحصول الأجـــر من الرحمن، فينبغي أن يعوّدنا رمضان على عمل الخير لأنفسنا مع الله والخير مع الناس لله، فلنحرص على التنفل بالصيام، فإن صيام يوم واحد يباعد بيننا وبين النار مسافة سبعين عاما، ولنحرص على صلاة الليل، فإن ركعتين في جوف الليل خير من الدنيا وما فيها، ولنكثر من الدعاء فالله يفرح بدعاء عبده واعدا إياه بالإجابة، ولنحرص على الإنفاق والتصدق في سبيل الله، فالصدقة تطفئ غضب الرب، والتصدق لله يقرب العبد من الجنة، ولنحرص على الكلام الطيب، فإن الكلمة الطيبة فضلا عن أنها صدقة فهي ترفع صاحبها إلى منزلة عالية، فإلى الله يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه، وقد بشرنا النبي بقوله: “إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، فقالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لمن أطاب الكلام، وأفشى السلام، وأطعم الطعام، وداوم الصيام، وصلى بالليل والناس نيام”..

صلاة العيد سنة مؤكدة، أو هي فرض كفاية إذا أداه بعض المسلمين سقط عن الآخرين، والآن يتساءل كثير من الناس عن إمكانية وآلية صلاة العيد في ظل غلق المساجد ضمن الإجراءات الاحترازية المحمودة للحد من تفشي وباء كورونا، وانطلاقا من أن أعظم مقاصد الشريعة حفظ النفوس وحمايتها من كل الأخطار والأضرار فإننا نؤمّن على تلك الإجراءات، وفي ضوء ذلك نؤكد أنه لا واجب ولا مانع أبدا من أداء صلاة العيد في البيوت، يُصليها المسلم جماعة بأهل بيته أو يصليها منفردًا، ولا تشترط الخطبة لصلاة العيد، إنما تُصلَى ركعتين بتكبيراتها المعروفة، وهي ثمان في الركعة الأولى بتكبيرة الإحرام، وست في الركعة الثانية بتكبيرة القيام، ووقتها هو وقت صلاة الضحى، يبدأ من بعد شروق الشمس بثلث ساعة ويمتد إلى قبيل أذان الظهر بثلث ساعة، فإن دخل وقت الظهر فلا تصلى، وهذا ما أكدته هيئة كبار العلماء بالأزهر في بيانها بشأن ذلك .. حفظ الله البلاد والعباد من الوباء والأمراض والأسقام .. وكل عام وحضراتكم ومصرنا والأمة جميعا بخير ويمن وبركة.

زر الذهاب إلى الأعلى