آراء حرة

الدكتور علاء الحمزاوي يكتب قـــراءة تأملية في سورة يوسف ج(1)

كتب/ د. علاء إسماعيل الحمزاوي

السياق العام للسورة
في قراءتي للسورة قسمتها إلى إحدى عشرة لقطة مستقلة، يربط بينها رابط عام، وآياتها مائة وإحدى عشرة آية

وهي سورة مكية تحمل سمات القرآن المكي، وهو ما نزل قبل الهجرة على الأرجح

وسماته الإجمالية أنه يركز على الدعوة إلى الإيمان بالله والإيمان بالبعث مع إقامة البراهين العقلية على ذلك بضرب الأمثلة

والحث على مكارم الأخلاق والآداب والفضائل

ونبذ الشرك وترهيب المشركين

وذكر قصص الأنبياء والأمم السابقة؛ تقوية للنبي وتأكيدا لنبوته وزجراً للكافرين، وتحدي العرب على فصاحتهم في الإتيان بمثله، ويتسم خطابه بالعمومية {يا أيها الناس}، وآياته قصيرة إلى حد ما، والتركيز على السجود لله؛ فكانت آيات سجود التلاوة الخمس عشرة كلها مكية، أما القرآن المدني فيركز على بيان العبادات والمعاملات والتشريعات، والأطر العامة لمقومات بناء الدولة وعلاقاتها الخارجية، ومخاطبة أهل الكتاب ودعوتهم للإسلام، وفضح المنافقين وكشف سلوكهم وبيان خطرهم على الإسلام.

وسُمِّيت سورة يوسف بهذا الاسم؛ لأنها تحكي تفصيلا قصة يوسف، وهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، وموطنه الشام، ثم انتقل إلى مصر في عهد الهكسوس، ومعنى الهكسوس ملوك الخيل، وقد حكموا مصر قرابة ثلاثمائة سنة، وقيل: إنه انتقل إلى مصر في عهد الملك المصري زوسر، لكن الرأي الأول أرجح.

وسبب نزول السورة أن اليهود سألوا النبي عن رحلة يعقوب وأولاده إلى مصر فنزلت السورة، وقيل: إن الصحابة قالوا لرسول الله: لو قصصت علينا، أي وددنا أن تحكي لنا، فنزل قوله تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ}، وقيل: نزلت في العام العاشر من البعثة عام الحزن بعد وفاة عمه أبي طالب وزوجه خديجة تقوية لرسول الله وذهابا لهمّه.

وفي السورة ثلاث جمل محورية: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} و{مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}، وهما جملتان عامتان، وجملة محورية خاصة، وهي قوله تعالى: {وكذلك كدنا ليوسف}.

وافتُتِحَت السورة بــ(الــــر)، وهي إحدى تسع وعشرين سورة بدأت بالحروف المقطعة، منها ثلاث سور بدأت بحرف واحد مثل (ص)، وعشر سور بدأت بحرفين مثل: (طه، يس)، واثنتا عشرة سورة بدأت بثلاثة أحرف مثل: (الــم)، وسورتان بدأتا بأربعة أحرف مثل (المر)، وسورتان بدأتا بخمسة أحرف مثل (كهيعص).
ولم يُنقَل عن رسول الله أي بيان أو تفسير لهذه الحروف؛ ومن ثم اختلف العلماء في تفسيرها، فقيل: إنها سر الله في القرآن، ولا ينبغي أن نتكلم فيها، بل نؤمن بها ونقرؤها فقط، أو أنها تشتمل على اسم الله الأعظم، لكن لا نعلم تأليفه منها، فلا ندري ما هو؟ أو أنها أسماء للقرآن أو للسور، مثل: (طه، يس، ص) أو أنها قَسَـم أقسم الله بها، أو أنها مجرد حروف هجاء مما تعرفه العرب، لكن الله تحداهم بها.

والمرجح أنها سـر الله الأعظم، ومع ذلك يصعب القطع بمعناها، وهي تشكل جملة (نص حكيم قاطع له سر)، وهذه الحروف تؤكد أن القرآن قد تلقّاه النبي من الوحي وتلقاه الصحابة من رسول الله خطابا منطوقا لا نصا مكتوبا؛ لأن هذه الحروف نطقت مقطعة، كل حرف على حدة بمدّه المعروف، في حين أن حروفا أخرى مماثلة نُطقت كلمة واحدة، ولننظر إلى مطلع البقرة: {الم ذلك الكتاب} ومطلع الشرح: {ألم نشرح لك صدرك}، فالحروف الثلاثة الأولى واحدة في الموضعين، لكن النطق مختلف! وللحديث بقية.

زر الذهاب إلى الأعلى