آراء حرة

دكتور علاء الحمزاوي يكتب قـــراءة تأملية في سورة يوسف ج(2)

كتب/ د. علاء إسماعيل الحمزاوي

 أحسن القصص
بدأ الخطاب بوصف القرآن {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ}

أي موضّح للحلال والحرام والرشد والضلال والإيمان والكفر وعرض قصص السابقين

ثم انتقل إلى التأكيد على أن لغة القرآن هي العربية {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}، ليفهم العرب مراد الخطاب القرآني، ومع هذا التصريح بأن لغة القرآن عربية فصحى فإن فيه ألفاظا أجنبية استعملها العرب قبل نزول القرآن فصارت أجنبية الأصل عربية الاستخدام.

وقوله تعالى: {لعلكم تعقلون} دعوة إلى إعمال العقل في تصديق رسول الله، فهو لم يكن معاصرا لأحداث قصة يوسف، ولم يعرف عنها شيئا، وكونه يحكي هذه القصة للناس باللغة العربية يؤكد أنه نبي يوحى إليه من ربه

فينبغي أن يفكر الناس في هذا الأمر، ولو فكروا لهداهم تفكيرهم إلى تصديق رسول الله والإيمان به، وهذا ما أكد عليه ربنا تعالى في خطابه للنبي في ختام قصة يوسف، حيث قال تعالى: {ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ}.

ثم شرع ربنا في عرض قصة يوسف، فقال للنبي: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ}، والتعبير بضمير الجمع (نحن) يفيد التعظيم، وهذه عادة الخطاب القرآني، حينما يتحدث ربنا تعالى عن صفاته وأفعاله يتحدث بـ(نحن)

وحينما يتحدث عن ذاته وتوحيده يتحدث بـ(أنا) كـ(لا إله إلا أنا)، ونقصّ: نحكي لك ونخبرك، وقوله تعالى: {أحسن القصص}

يطرح سؤالا: هل قصة يوسف أحسن القصص؟

ليس هناك دليل قاطع على ذلك، فالتعبير يحتمل أن يكون وصفا لقَصَص القرآن؛ لأن الله قال: {بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ} وفي ختام القصة قال: {حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ. لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَاب}، فالضمير في (قصصهم) يحتمل أن يعود على الرسل، وبالتالي فأحسن القصص قصص الأنبياء جميعا

ويحتمل أن يكون وصفا لقصة يوسف؛ لأن التعبير نفسه “أحسن القصص” ورد في مطلع السورة، وأن الضمير في كلمة (قصصهم) يحتمل أن يعود على يوسف وأبيه وإخوته، فضلا عن سمات خاصة بقصة يوسف ذكرها العلماء تجعلها جديرة بأن تكون أحسن القصص، فهي القصة الوحيدة التي عرضها القرآن كاملة في موضع واحد، وهي تجمع في داخلها مجموعة قصص قصيرة.

وقد اشتملت على ثنائيات متقابلة مترابطة لا يمكن لأي قاص أن يأتي بمثلها، ففيها حاسد ومحسود، عاشق ومعشوق، مالك ومملوك، شاهد ومشهود، فراق ووصال، حــلّ وترحال، حبس وانطلاق، جدْب وخصب، سقم وشفاء، ذنب وعفـو.
وكل أحداثها انتهت بنهاية غير متوقعة

ومنها: أن حب الأب لابنه أمر طيب، لكنه كان سببا في حرمان يعقوب من يوسف وإلقاء يوسف في البئر، والالقاء في الجب أمر سيء، لكنه كان سببا في دخول يوسف قصر العزيز، والعيش في قصر العزيز أمر حسن، لكنه كان سببا في دخول يوسف السجن، ودخول السجن أمر سيء، لكنه كان سببا في تعيين يوسف وزيرا للمالية المصرية، والقحط والجدب أمر سيء، لكنه كان سببا في جمع يعقوب وأولاده بيوسف في مصر، والقميص جلب الحزن ليعقوب، لكنه كان سببا في ردّ بصره إليه، كما كان سببا في تبرئة يوسف مما اتهمته به امرأة العزيز..

وللحديث بقية.

 

زر الذهاب إلى الأعلى