آراء حرة

دكتور علاء الحمزاوي يكتب قـــراءة تأملية في سورة يوسف ج(9)

كتب/د. علاء إسماعيل الحمزاوي

 يوسف في قصـر العزيز

عاش يوسف في القصر عيشة الأمراء حيث عاش مع امرأة العزيز كأنه واحد من الأسرة ومن هنا مكّن الله ليوسف، قال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ}، المقصود بالأرض مصر، والتمكين بالأمر والنهي، ولا يمتلك ذلك إلا ذو سلطان، وقد تم ذلك ليوسف فيما بعد، وجعل الله من أسباب التمكين تعليمه تفسير الرؤى {تأويل الأحاديث}

ثم بيّن ربنا أن كل ما يحدث ليوسف إنما هو بترتيب إلهي وترتيب الله خير كله مهما دبّر له البشر من سوء؛ لذلك قال تعالى: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}، وهذه هي الجملة المحورية في السورة

ومعناها العام أن أمر الله نافذ مهما حاول البشر خلاف ذلك، وما حدث مع يوسف تطبيق لهذه الغلبة الإلهية، حيث أراد إخوته التخلص منه بإلقائه في الجب لإبعاده عن أبيه، وأراد الله له العــزة والملك واجتماعه بأبيه في المستقبل، وإرادة الله هي النافذة؛ لأنه فعّال لما يريد، فلا رادّ لقضائه ولا مانع من حكمه في أرضه وسمائه، وفي الدعاء “اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا رادّ لما قضيت”.

ثم قال تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}، في هذه الجملة الموجزة يخبرنا ربنا بمستقبل يوسف متمثلا في منحه الحُكم والعلم، ولعل الحُكْم هو المُلْك أو الحكمة، والعلم النبوة وتفسير الرؤى، ويوسف يستحق ذلك؛ لأنه محسن إلى الجميع حتى لو أسيء إليه، وجملة {كذلك نجزي المحسنين} قاعدة إلهية عامة في الإحسان، يجزي الله المحسنين إحسانا، وأعظم الإحسان المُلْك والنبوة والعلم، غير أن النبوة لها وضع خاص.

ولا يوجد قطْع بعمر يوسف حينما دخل قصر العزيز، ولا دليل على ما قيل بأن عمره كان سبع عشرة سنة، لكن المرجح عقلا أنه لم يكن بالغا ولا مدركا إدراك الكبار، نفهم ذلك من تصرّف العزيز معه، حيث رغب أن يتبناه وأوكله إلى زوجته، ولو كان بالغا ما صنع ذلك معه، ولو كان مدركا لقصّ على العزير حكايته وأخبره أن أباه نبي، لكن ذلك لم يحدث، فضلا عن أنه لو كان كبيرا ما حدث معه كل ما حدث، فما استطاع إخوته أن يلقوه في الجب، ولو كان كبيرا ما بقي في الجب بعد أن ألقاه إخوته على افتراض أنهم ألقوه بالقوة.

ويبدو أن يوسف عاش في قصر العزيز مدة طويلة تتجاوز خمس عشرة سنة، غيّرتْ نظرة امرأة العزيز له، فرأته شابا جميلا فتمنتْه لنفسها، بل راودته، قال تعالى: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ}، راودته: طلبته لنفسها بغير تصريح، إنما بالمخادعة والمحايلة والإغراء، وقد فعلت ذلك مرارا

لأن الفعل (راود) يدل على التكرار.
وتعبير {في بيتها} يحمل دلالتين: الأولى الدلالة على قوتها وتمكّنها من يوسف، وهو الضعيف المغلوب على أمره، والثانية أن البيت يُنسَب للزوجة مع أن الزوج هو مالك البيت، وفي ذلك توجيه قرآني بمكانة المرأة في الإسلام، وتحذير للزوج ألا يُخرج زوجته من البيت عند الخلاف مهما ارتكبت من أخطاء إلا في حالة الفاحشة الثابتة عليها؛ لأنها في تلك الحالة لا تستحق التكريم، ولا تستحق أن تكون زوجة، قال تعالى: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ}.
وتعبير {غلّقت الأبواب} يدل على كثرة أبواب القصر الداخلية مما يدل على اتساع القصر، والتشديد في الفعل {غلّقت} يدل على غلقها بإحكام؛ حتى تتمكن منه ولا يجد منها مهربا، ولما لم يفهم قصدها صرّحت له {هيت لك}، أي أسرع إليّ، وهذا التصرف المشين يدل على أنها كشفت بشكل فاضح عن رغبتها، وبذلك خرجت عن المألوف من النساء، فالمألوف أن المرأة مطلوبة لا طالبة

وربما لهذا السبب لم يذكر القرآن اسمها؛ سترا لها وابتعادا عن التشهير بها، وهذا من الأدب القرآني الرفيع في تعبيراته، لنفيد منه في علاقاتنا وسلوكياتنا مع الآخرين، ولما صرّحت له زليخا فهم يوسف قصدها، فماذا صنع؟

للحديث بقية

زر الذهاب إلى الأعلى