آراء حرة

دكتور علاء الحمزاوي يكتب قـــراءة تأملية في سورة يوسف ج(14)

بقلم/د. علاء إسماعيل الحمزاوي

يوسف في قصـر العزيز.

أدركت امرأت العزيز مكر النسوة فاستدعتهن وأعدّت لهنّ مكانا مريحا لتناول طعام من صفاته أنه يُقطَّع بالسكّين كاللحم والفاكهة، ولما جلسْن يقطعن الطعام بالسكاكين ويأكلن أمرتْ زليخا يوسف أن يخرج عليهن فجأة فلما رأينه عظّمنه وبُهرنَ به فقطعن أيديهن دون إحساس بالألم من شدة جمال يوسف وكأن رؤيته خــدّرت عقولهن، فأخرجنه من نطاق البشرية فوصفنه بأنه مَلَك كريم  مَلَك لجماله وكريم لاستحيائه

فلم ينظر إليهن فهو جميل الوجه كريم الخُلُق وقد نقل لنا القرآن هذا المشهد في قوله تعالى:

{فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ}

وهذه الآية تكشف عن ازدهار الحضارة المصرية القديمة، فقد بلغت المدنية فيها درجة الترف في القصور، وكان من مظاهره استعمال السكاكين في الأكل، هكذا كان المصريون قبل آلاف السنين!

وهنا وجدت امرأة العزيز عُــــذْرا لها فيما فعلت مع يوسف

{قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ}

أي أنتنّ من رؤية واحدة قطعتن أيديكن، فما بالكنّ بي وهو يعيش معي!

وهنا اعترفت بأنها طلبته فرفض بقوة قالت:

{وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ}

أي امتنع بقوة طالبا العصمة من ربه، وفي سابقة لم نسمع بمثلها وإصرار لم نعهده أعلنت امرأة العزيز أمام النسوة أنها ستراوده مرة أخرى مع تهديده بالسجن حال رفضه

فقالت: {وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ}

الصاغرون الأذلاء وهذا التصرف منها يؤكد أن حب يوسف قد تملّك قلبها، ويدل على ضعف شخصية العزيز أمامها، كما يدل على قوتها وقدرتها على تنفيذ قرارها، ويدل أيضا على تعمّدها إذلال يوسف، ولذلك أكدت كلامها، فجاء الفعل مؤكدا بالنون

فلما وصل الخبر إلى يوسف لجأ إلى الله بهذا الدعاء {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ}، فوض أمره إلى الله، فهو الملجأ والمنجأ من المهالك، وهذه ثقة مطلقة من يوسف في ربه، فلولا العناية الإلهية لوقع يوسف في الخطأ، دعا ربه أن يصرف عنه كيد النسوة حتى لو كان البديل هو السجن، بل اختار السجن وأحبه

حيث {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ}، ثم أظهر ضعفه البشري، كما أظهر حسن توكله على الله وكامل ثقته في الله، وأنه لا ملجأ ولا منجأ له من ذلك إلا إلى الله

فقال: {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ}

والصبا الميل إلى الشهوات والمعنى أن يا رب لو لم تبعد حيلهن ومكرهن عني أمِل إليهن وأكن من السفهاء العاصين، {فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}، كان الله عند حسن ظنه وثقته، فاستجاب دعاءه، فصرف عنه كيدهن

لأنه سميع الدعاء ومجيب لضراعة المخلصين وعليم بأحوال القلوب، ويوسف مثال واقعي لـ”رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إنى أخاف الله”، ودخل يوسف السجن رغم تعدد الشهادات ببراءته، حيث شهد بها أربعة، فمن هم؟

للحديث بقية

زر الذهاب إلى الأعلى