آراء حرة

دكتور علاء الحمزاوي يكتب قـــراءة تأملية في سورة يوسف ج(15)

بقلم/د. علاء إسماعيل الحمزاوي

يوسف سجينا

لما وصل تهديد زليخا إلى يوسف لجأ إلى الله وفي ذلك درس لك إذا قست عليك الأيام وألمّت بك الشدائد وأحاطتك الظلمات فادعُ الله كما صنع يوسف

دعا ربه أن يصرف عنه كيد النسوة حتى لو كان البديل هو السجن، بل اختار السجن وأحبه، حيث {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ}

والسؤال: هل السجن يُحَبّ؟!

إذا سلمنا بأن في الرذيلة شهوة ورغبةولذلك حُفت النار بالشهوات، وحُفت الجنة بالمكاره، فالمفترض عقلا أن السجن مكروه، فكيف يقول يوسف: {السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه}؟!

في قوله: {أحب إليّ} تفسيران: الأول أن يوسف من شدة عفّته وبغضه للرذيلة أحبَّ السجن رغم قسوته؛ إذ فيه نجاة له من فعل الرذيلة، وروي أنه لما قال ذلك أوحى الله إليه “يا يوسف حبست نفسك بقولك هذا، ولو قلت: العافية أحبُّ إليّ لعوفيت”، والتفسير الثاني: أن (أحب) بمعنى (أهون) أي السجن أهون عليّ من عاقبة الرذيلة؛ ولذلك روي أنه لما قادوه إلى السجن حملوه على حمار وهم يردّدون: هذا جزاء من يعصي سيدته، وهو يقول: السجن أهون عليّ من عذاب الجحيم!

دخل يوسف السجن رغم تعدد الشهادات ببراءته، حيث شهد بها أربعة: الله جلّ في علاه؛ حيث قال: {كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ، إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ}، ويوسف نفسه حيث {قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي }، والعزيز حيث {قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ}، وزليخا حيث قالت: {وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ}، وثمة ثلاثة أسباب محتملة لسجن يوسف من وجهة نظري: سبب وهمي، وهو أن امرأة العزيز أقنعت زوجها بسجن يوسف حتى تنقطع الألسنة عن الكلام في فضيحتها حفاظا على هيبة القصر رغم أدلة براءته، وهذا ما صوّره قوله تعالى: {ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ}، أي سجنوه من بعد ما ظهرت لهم دلائل براءته، فسجْنُه لم يكن عقوبة لجُرم ارتكبه، بل ارتبط سجنه بنسيان الناس الفضيحة؛ ولذلك لم تحدد مدة سجنه! وسبب حقيقي، وهو أن امرأة العزيز أرادت أن تؤدب يوسف؛ لأنه عصاها في تحقيق رغبتها {وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ}، وسبب خفي، وهو أن الله أراد أن يطهره من ذنب صغير، وهو الهمّ بها؛ لأن الأنبياء أعلى منزلة من التفكير في المعصية مع أن الله لا يؤاخذ الناس بتفكيرهم.

دخل يوسف السجن ودخل معه شابان: ساقي الملك وصاحب الطعام؛ وذلك بتهمة التدبير لقتل الملك بوضع سُمّ له في الطعام، كلاهما رأى رؤيا في السجن، وقصها على يوسف، رأى الساقي أنه في بستان ومعه كأس الملك، يقطف العنب ويعصره في الكأس، ورأى الآخر أنه يحمل فوق رأسه خبزا والطير تنهش منه، قال تعالى: {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ}، وقد طلب الفتيان من يوسف تفسير الرؤيا، قالا له: {نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ}

فيا ترى متى كانت الرؤيا؟ ولماذا اختارا يوسف لتفسيرها؟ وماذا كان رد يوسف عليهما؟

للحديث بقية

زر الذهاب إلى الأعلى