آراء حرة

حياة الأرواح

بقلم: محمد رفعت أبوالدهب

 

هل للإنسان منا من وقفه مع نفسه ليتبصر مكانه بين حياه الأرواح وحياه الأجساد..
وليدرك حقيقة حياته وكيف يعيشها. وهل يعمل على تطوير ذاته  واحداث التغييرات الحقيقة علي حياته فيدفع بها إلي الرقي والتغير الإيجابي الذي يزيدها ولا ينقصها…

منذ أيام وأنا أقرأ للكاتب الكبير والاستاذ القدير أحمد أمين .
وجدته في بعض من مقالاته قد سلط الأضواء منذ زمن علي مثل أنواع الناس وكيف يحيون وأومض في ذهني بكتاباته فكره هذا المقال. فكان نبراس لكل سطوره التي أسطرها في مقالي هذا..
وخاصه أننا قد مررنا بظاهره قد تكون نادره من نوادر الزمان.
لذلك فقد شغلني حقا كيف كانت حياتنا قبل هذه الجائحه أو حتي في خلالها .. فألقت علينا هذه الجائزه بظلالها لتنبهنا علي نوعيه الحياة وكيف نعيشها وكيف يمكن أن نعيشها..

حيث استعرض فكري كيفيه أن معظم الناس يعيشون عيشه روتينية جافه خاليه من اي إبتكار أو تطوير .
وأدعوك معي أخي القارئ الكريم
أن نستعرض معا أنواع الناس وأصنافهم وكيف يحيون حياتهم
لوجدنا أن كثيراً منهم يعيش عيشة جافة جامدة باردة فيستيقظ من النوم إلي أن يخلد إليه كميكنه مبرمجه
وهنا أقول كثيرا منهم وليس جميعهم ..
فما أن يستيقظ جسده يلبس ملابسه فيذهب إلى عمله اي كان نوعه معلما أو طبيبا محاميا أو قاضيا مهندسا أو مزارع …..إلخ من جميع الأعمال والحرف
حتى إذا جاء وقت انتهاء عمله عاد إلى بيته

فتناول غدائه مع أسرته أو لم يتناول نام قليلاً أو لم ينم فمنهم من قد يزاول بعض عمله في منزله ومنهم من يخرج ثم يجلس في مقهى يسمر مع أصدقائه أو نحو ذلك ثم يعود إلى بيته ثم ينام الي أن يستيقظ من جديد ليزاول ما بالامس قد زاوله
وهذا هو تاريخ حياته يوم واحد متكرر . وحياة واحدة رتيبه متشابهه..

هذه هي الحياة أشبه ما تكون بحياة آلة في مصنع ندورها فتدور علي هيئتها كل يوم فتسير على نمط واحد أولي أن ينتهي عمرها الافتراضي..
وهكذا حياتهم كل يوم
ألا تتشابه مع حياة الأنعام تأكل وتعمل وتنام وهكذا عادتها كل يوم إنها الحياة المادية ..
وهذه الحياة المادية لا نرجوها فقط ولا ندعوا إليها
إنما علينا أن ندرك أن هناك انواع أخري من الحياة علينا أن نبحث عنها ونعيشها..

فهناك قوم أضافوا إلى هذه الحياة المادية حياة أخرى عقلية وروحيه . فحرصوا علي أن يغذوا أرواحهم وعقولهم كتغذيتهم لأجسادهم ..
فها هي الحياه العقليه أصحابها تساعدهم
وهم يخصصون جزءاً كبيراً من وقتهم لاستخدام عقولهم في حياة علمية أو أدبية كرجال الجامعات والباحثين والفلاسفة الذين يقضون كثيراً من أوقاتهم في المعامل يبحثون ويجربون ويبتكرون

وهذا النوع من الحياة أرقى من نوع الحياة الأولى؛ لأنها جمعت بين الحياة المادية والعقلية.

 وقد جمعت هذه الحياة بين السعادة المادية والسعادةالفكرية

ولا شك أن اللغة العقلية الفكريةأمتع وأنفع وأطول

ولكن مع كل هذا لا تكون هذه الحياة أيضا هي الحياه المثاليه والتي نرجوها لأننا بمرور الوقت نستكشف ما فيها من جفاف لخلوهامن القلب والعاطفة(الروح )
ولأن أصحابها كثيرا ما تلهيهم علومهم عن التفكير في الأمور المتعلقة بالارواح وغذائها .

فيحكمون العقل في كل تصرفاتهم وشؤون حياتهم.. مما يجعلها حياه أيضا رتيبه جامده متحجره..
إذ يلبس أصحاب هذه الحياة مبلغ تقديسهم للعقل، وحصرهم أنفسهم في قوانينه
فتراهم إن ساروا في حياتهم على الأخلاق التي يرتضيها العقل وحده
فيعدلون مع الناس ومع أنفسهم لأن هذا أنفع للمجتمع ولهم بحكم عقلهم لا بأي منظور أخر

ويلتزمون الصدق ويقومون بالواجبات الفردية والاجتماعية
لأنهم يرون فيها الخير لأنفسهم ولمجتمعهم بحكم العقل

بإختصار هم فضلاء بالعقل خيرون بالعقل لا بغيره

ولا يلتزمون بشيء ولا يسيرون على منهج إلا إذا ارتضاه العقل ولو كان أمرا دينيا

ولكن مع كل هذا لا تكون هذه الحياة أيضا هي الحياه المثاليه والتي نرجوها لأننا بمرور الوقت نستكشف ما فيها من جفاف لخلوها من القلب والعاطفة
ولأن أصحابها كثيرا ما تلهيهم علومهم عن التفكير في الأمور المتعلقة بالارواح وغذائها . فيحكمون العقل في كل تصرفات شؤون حياتهم.. مما يجعلها حياه أيضا رتيبه جامده متحجره

وهذه لأن الفضائل إذا صدرت عن العقل وحده خلت من الحرارة والمحبه والاشتياق لفعل الخيرات وخلت من القوة التي يتطلبها الدين.

ولذلك لما سئل رسول الله عن قوم في الجاهلية أتوا بأعمال فاضلة من كرم وشجاعة أبى أن يعترف لها بقيمة
لأنها لم تنبع من المنبع الذي يرتضيه الإسلام. إذ أن الإسلام يريد لنا الحياة الكامله التامه. النافعه لجميع بني البشر

إنما يريد الإسلام حياة تجمع فيها ما بين الماده والعقل وكذلك الروح
وهي أيضا غايه جميع الأديان السماوية..

فالإنسان مركب من عناصر شتي لا يمكن أن يسعد إلا إذا عاش عيشة تغذي كل عنصر من عناصره بغذائه . حتي يكبر فيه جميع هذه العناصر وتزدهر وتطغي علي سلوكه مجتمعه

ولتوضيح هذا نقول: إن في الإنسان عنصرا من عناصر النبات في خواصه وطبائعه

فهو يبحث عن غذائه في الأرض كما يبحث النبات، وتؤثر فيه الفصول الأربعة كما تؤثر في النبات،

ولا بد له من هواء وماء ليحيا كالنبات

ولكي يسعد الإنسان فلا بد أن يغذي هذا العنصر النباتي فيه.

وأما العنصر حيواني

كذلك فهو يتحرك بالإرادة كما يتحرك الحيوان
وله شهوات وغرائز يتشابه فيها كما للحيوان من شهوات وغرائز فيتشهى الأكل ويشتهي الألفة ويتشهى الاجتماع ببني جنسه وفيه غرائز الخوف وحفظ الذات وحفظ النوع ونحو ذلك مما يتشابه فيه من الكثير مع الحيوانات .
فيعد كل هذا ما نسميه ونطلق عليه العنصر الحيواني في الإنسان..

فلا بد للإنسان حتي يحقق حياه سعيده أن يحيي هذه الحياة الحيوانية بداخله بأنواعها علي الوجه الأكمل

ولعل الأهم أن في الإنسان عنصران امتاز بهما عن النبات والحيوان: وهما عنصر العقل وعنصر الروح

فلنطل سريعا علي عنصر العقل في سطور قصيره غير محله

العقل في الإنسان .وإن ظهر في شكل بدائي

فلنطل سريعا علي عنصر العقل في سطور قصيره غير محله

العقل في الإنسان .وإن ظهر في شكل بدائي بسيط ساذج في الحيوان فهو في الإنسان أعلى وأرقى وأتم.

وبه استطاع أن يسود الحيوان ويسخره لمنفعته
وبالعقل استطاع أن تكون له قوة أقوى من الأسد ومكر أقوى من الثعلب..

كما استطاع أن يتغلب على الحيوانات التي هي أقوى منه جسما فتغلب به على الفيله بأنيابها وعلى الجمال بضخامته وعلي السباع ونحو ذلك
فلا بدّ له _ أيضاً _ من أنْ يعيش عيشة فيها غذاء هذا العنصر العقلي وهذا

فيفكر ويتأمل، ويقرأ، ويكتب. وهذا ما لا ننكره بل نشجعه ونثمنه وننادي به

والعنصر الآخر الذي يمتاز به الإنسان عن النبات و الحيوان

هو عنصر الروح.

هذا العنصر الروحي أساسه الدين والاعتقاد بإله واحد هو ربه ورب العالمين والايمان به وإتيانه أوامره وتجنب نواهيه
ومنه يستمد القوة ومنه يستمد الحياة. واليه الرجعي .

وبهذين العنصرين عنصر العقل والروح استطاع الإنسان أن ينظم عنصر النبات والحيوان فيه
وأن ينظم غرائزه . ويلطفها ويهذبها ويخضعها لأمرهما.
ليصل إلى الحياة السعيدة..
………….
فالحياة السعيدة :
يجب أن تتوفر بالأخذ بحظ من كل عنصر من هذه العناصر الأربعة أخذاً معتدلاً لا إفراط فيه ولا تفريط.

فهو لا يرضى عن تعذيب الجسم، وحرمانه من ملذاته، ولذلك كره التبتل وقال:

[قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ]الأعراف: 32.

وكره حياة حيوانية لا عقل فيها، وعاب على قوم أنهم كالأنعام بل هم أضل سبيلا…

وحث على العلم وطلبه، والتفكير في خلق السموات والأرض وما فيها

وحرص على العنصر الرابع وهو عنصر الروح .

فأن الحياة إذا خلت من العنصر الروحي كانت حياة تافهة لا قيمة لها.

والناس إزاء هذه العناصر مختلفون اختلافاً كبيراً، فمنهم من غلب عليه عنصر النبات والحيوان فكان شهوانيا

ومنهم من غلب عليه عنصر العقل فكان عالماً أو فيلسوفاً

ومنهم من غلب عليه عنصر الدين فكان متصوفا

ولكن خير حياة رسمها الإسلام وجميع الشرائع السماوية هي الحياة التي اعتدلت فيها كل هذه العناصر ولم تفقد واحداً منها.
ولذلك أقول أن العلم وحده لا يكفي في الإسعاد لا في إسعاد الفرد ولا في إسعاد المجموع من بني البشر
فلقد ملأ العلم الدنيا آلات وأدوات واختراعات ونظريات في السياسة والاجتماع.ووصل في تقدمه إلى تحطيم الذرة،
ولكن هل كفى هذا في إسعاد الناس؟؟؟
إن العلم وحده صالح لأن تستخدمه في الخير كما تستخدمه في الشر
فهو كالسكين تستخدمه في أدوات الطهي فينفع وتستخدمه في القتل فيضر

والذي يحدد استخدامه في المنفعة هو الروح التي يعبر عنها دائما بالقلب.
فالحياة السعيدة : بالعلم وترقية الوسائل
حيث أنه أصبح معلوم للكافه
أن العلم يستطيع أن يرقي وسائل الخير كما يستطيع أن يرقي وسائل الشر

فقد كان الناس قديما يقتتلون بالعصا والحجارة ونحو ذلك
فلما تقدم العلم تقاتلوا بالكهرباء والغازات الخانقة والطائرات والصواريخ والقنابل الذرية. وجميع الأسلحة التي توصل إليها بالعلم
ولكن ما الذي يستطيع أن يحد من شر هذا العلم الذي توصل إليه الإنسان
إنما الذي يستطيع وحده أن يحد من شر العلم هو الروح وهو الدين وهو الإيمان بإله يحاسب الناس على أعمالهم ويطلع على ضمائرهم. فيثابون أو يعاقبون.

إن الدين الصحيح المعتدل يغذي الشعور بالتسامي والطموح الدائم إلى الرقي ويعالج الشعور بالنقص. ويحارب الميل إلى التدني. ويدعوا الي السلم والتعايش وقبول الآخر

والدين الصحيح ينقل النفس مما يعتريها من الحزن والإحساس بالفراغ والقلق الذي يعتري الإنسان إذا لم يجد سنداً يستند إليه ينقلها من ذلك كله إلى شعور بالأمن والطمأنينة . والاستناد إلى قوة ليس فوقها قوة وهو الاستناد بالله

إن الدين الصحيح المعتدل يشعر الإنسان بالاتصال بعالم روحي واسع لا يقاس به عالم المادة ..

فإن كان العلم يحضر الإنسان في المادة وفروعها فالدين يضم إلى هذه المادة أكبر منها وبذلك يتسع أفق صاحبه أضعافا مضاعفة.

لقد أفهمتنا الحياة أن السير على قوانينها الطبيعية يكسب الراحة والسعادة،

وأن كل سأم وقلق وملل واضطراب سببه مخالفة القوانين الطبيعية في جزء من أجزائه .
وإذ سلمنا وأدركنا أنه وإذا كانت أيضا طبيعة الإنسان مكونة من هذه العناصر الأربعة:
عنصر النبات والحيوان والعقل والروح

فنقصان عنصر منها لا يمكن أن يحقق السعادة للإنسان ولا الحياة المثلي.
فلابد من السعي إذا الي الأخذ بحظ وافر من كل عنصر من هذه العناصر وامتزاجها امتزاجا متعادلا لا يطغى فيه عنصر على عنصر. لنحيا حياه متوازنه سعيده حياة مثاليه يرجوها كل لبيب وينشدها كل عاقل ..
وهذا النوع من الحياة التي يرتضيها الإسلام وجميع الأديان السماوية..

فأختر لنفسك أخي القارئ أي حياة ترجوها…

 

زر الذهاب إلى الأعلى