آراء حرة

دكتور علاء الحمزاوي يكتب قـــراءة تأملية في سورة يوسف ج(19)

بقلم/د. علاء إسماعيل الحمزاوي

يوسف وزيرا للمالية المصرية

طالت مدة يوسف في السجن بسبب أنه طلب من الساقي أن يذكره عند الملك بحسن سيرته، لكن الفتى لم يذكره، وجاء التعبير القرآني في ذلك واسع الدلالة، قال: {فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ}

فمن الذي أنساه الشيطان؟

قيل: يوسف، فالشيطان أنساه ذكر الله ربه، وقيل: الساقي، أي أن الشيطان أنسى الساقي أن يذكر يوسف عند الملك ربِّه، وهو الأرجح.

لكن الله إذا أراد شيئا هيأ له الأسباب، فقد أراد الله ليوسف الخير، فهيأ له أسبابه، وفي هذا درس لنا في الثقة بالله، فإن أحاطت بك المشاكل والمصائب فاتجه إلى الله واسأله العون، ولا تشغل بالك بكيفية الخروج منها، فدعْ ذلك لله، وهذه اللقطة تعرض للأسباب التي نقلت يوسف من السجن إلى القصر الملكي، وقد بدأت برؤيا منامية للملك، نقلها القرآن في قوله تعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ}

كلمة (الملك) هنا لها دلالة تاريخية، حيث تشير إلى أن مصر في تلك المرحلة الزمنية لم يحكمها الفراعنة، وإنما كان يحكمها ملوك الهكسوس، وهم العمالقة الذين حكموا مصر قبل الفراعنة أكثر من ثلاثمائة سنة، مما يؤكد دقة التعبير القرآني.

هذا الملك رأى في منامه سبع بقرات سمان، ثم رأى سبع بقرات عجاف أي نحاف يأكلن البقرات السمان، ورأى سبع سنبلات يابسات تلتوي على سبع سنبلات خضر، والتعبير بالمضارع {أرى} مع أن الملك قد انتهى من الرؤيا؛ استحضارا لصورة الرؤيا حتى كأنها ماثلة أمامه، أو أنه رأى الرؤيا عدة مرات كما رأى إبراهيم رؤيا ذبح إسماعيل عدة مرات، وكلمة {وأخر} جاءت بديلا لتعبير {سبع سنبلات}، وهو من باب التغاير اللفظي في التعبير للفت انتباه المتلقي.

انزعج الملك فلما أصبح استدعى مؤولي الرؤيا في مصر، وقص عليهم رؤياه وطلب منهم تفسيرها؛ حيث قال: {يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ}، ونلحظ أن الملك قال: {أفتوني}، ولم يقل: “فسّروا لي”، وذلك للدلالة على أهمية هذه الرؤيا فكأنها بمثابة مسألة فقهية خطيرة تحتاج إلى فتوى، وقد أخبروه بأن الرؤيا نوعان: رؤيا مستقيمة يمكن تفسيرها وتحقيقها، ورؤيا مضطربة متداخلة الأحداث يصعب تفسيرها وتسمى “أضغاث أحلام”، والضِغث في اللغة هو ما اختلط من رطب ويابس من الحشيش، ثم أطلق على الحلم المستحيل تفسيره لاختلاط أحداثه.
ــ هنا استدعت ذاكرة الساقي يوسف، فماذا صنع؟

للحديث بقية

المصدر
الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق