آراء حرة

دكتور علاء الحمزاوي يكتب قـــراءة تأملية في سورة يوسف ج(20)

بقلم/د. علاء إسماعيل الحمزاوي

يوسف وزيرا للمالية المصرية

استدعت ذاكرة الساقي يوسف فأخبر به الملك وبما حدث معه ومع الخباز واستأذنه أن يخبر يوسف بالرؤيا فوافق الملك

وقد صور القرآن ذلك في قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ}

ادّكر: تذكر

وأمة: مدة زمنية لأن الأمة مجموعة من الناس والمدة مجموعة من السنوات

ذهب الساقي إلى يوسف وقصّ عليه الرؤيا وقد اتسم الساقي بحسن الاستهلال فوصف يوسف بالصدق والتصديق للحق فقال له: {يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ}

وما أجمل أن يوصف المرء بالصدق والتصديق! فقد وُصِف نبينا بالصدق، ثم قال الساقي ليوسف: {أفتنا} ولم يقل: أخبرنا أو نبّئنا أو أعلمنا؛ لأن الفعل {أفتنا} يوحي بأهمية الفُتيا والقيمة العلمية للمفتي

فهو بمثابة هيئة علمية كاملة لأن الفتوى تصدر عادة من هيئة علمية، فيوسف في نظر الساقي بمثابة كل مفسري الرؤيا في مصر، بل هو أفضل منهم، ولم يذكر الساقي أن الرؤيا للملك، إنما نسب الرؤيا للمصريين، فقال: {أفتنا}؛ ليعطي يوسف الحرية في تفسير الرؤيا دون أي تأثير، ولذلك قال له: {لعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ}، وكأن الساقي يريد أن يعرف الناس جميعا منزلة يوسف.

فسّر يوسف الرؤيا مازجا إياها بالخطابح، {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ}، أي ستأتي سبع سنوات متوالية مليئة بالخير على مصر، فازرعوا كثيرا وادخروا المحاصيل إلا احتياجكم للأكل؛ لأنه ستأتي سبع سنوات قحط على مصر، ستأكلون فيها ما ادخرتم إلا قليلا تزرعونه مرة أخرى، وأُسنِد الأكل للسنوات مجازا للدلالة على شدة المجاعة في تلك السنوات، والمراد “تأكلون فيهن ما ادّخرتم”، وأوصى يوسف أن يُحفَظ المحصول في سنبله حتى لا يأكله السوس أو يفسد، ووصف الادخار بالحصن لأهمية الطعام المدّخر فهو كالحصن من الهلاك، ويُستَنبَط من تفسير يوسف للرؤيا جواز احتكار الطعام لوقت الشدة؛ لنفع الناس به وليس لاستغلالهم.

زاد يوسف شيئا آخر لم يرد في الرؤيا وهو قوله: {ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ}، أي عام خير وفير بسبب كثرة المطر، فتزيد المحاصيل لدرجة أن الناس يعصرون العنب الزائد خمرا والسمسم دهنا والزيتون زيتا، وهذه الزيادة علمها يوسف بالوحي

فماذا صنع الساقي؟

للحديث بقية

زر الذهاب إلى الأعلى