الدين والحياة

قــراءة تأملية في آيات الحج والعمرة ج (2)

بقلم/د. علاء إسماعيل الحمزاوي

في قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ. فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً}

يصف ربنا تعالى البيت الحرام بخمس صفات: الصفة الأولى: الأسبقية في الوجود، وقد تحدثنا عنها.

 والصفة الثانية:البركةبكثرةالخير فيه

فهو مبارك ومن الخير مضاعفة الثواب، فالحسنة فيه بمائة ألف حسنة

حيث ورد في السُّنة أن الصلاة فيه بمائة ألف صلاة

والحجّ إليه يمحو الذنوب جميعا، وفي المقابل السيئة مضاعفة، فمجرد التفكير في الذنب بالبيت الحرام يُكتَب على صاحبه، قال تعالى: {ومن يُرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم}، فما بالك بمن يرتكب معصية فيه؟!

والصفة الثالثة: الهداية

فهو {هدى للعالمين} وقال: {للعالمين}لأن الناس في كل زمان عالَم، والجمع (عالمون) والمقصود أن البيت الحرام هداية للناس جميعا منذ آدم إلى يوم القيامة، وعبّر بالمصدر للمبالغة، مما يدل على مكانة البيت الحرام في هداية الناس، لكن هذه الهداية مرتبطة بعقيدة العبد

فالبيت الحرام ليس هاديا في ذاته  بل هو هادٍ لله وبفضل الله، فالمشركون كانوا يطوفون بالبيت الحرام، ولم يقبل منهم؛ لأنهم لم يطوفوا لله، أي لم تكن عبادتهم في الطواف امتثالا لأمر الله.

والصفة الرابعة: أن به مَقام إبراهيم الذي أمرَنا الله أن نصلّي عنده

فقال تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى}، وقيل: إن هذا الأمر الإلهي نزل تلبية لرغبة سيدنا عمر أو توافقا مع رأي عمر

حيث قال للنبي: ليتنا نتخذ من مقام إبراهيم مصلَّى، فنزلت الآية، فسُمِّيت من العمريات، أي الآيات التي وافق فيها الوحي عمر، وهذه الصفة للبيت الحرام تشير إشارة واضحة إلى دور سيدنا إبراهيم في بناء البيت، فهو الذي رفع قواعده بمساعدة ابنه، قال تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}، وبالتالي فهذه الصفة تربط المسلمين بأبيهم إبراهيم إلى يوم القيامة.

والصفة الخامسة للبيت الحرام هي الأمــن للناس فيه

قال تعالى: {وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً}، وما أعظم صفة الأمــن للناس، فهي ثلث متاع الدنيا، ففي الحديث “مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا”

و(سِربه) أي في نَفْسه، وقيل: السِّرْب الجماعة، أي في أهله وعياله، وقيل (سَرْبه)، أي في مسلكه وطريقه، وقيل: (سَرَبه) أي في بيته، وهذه الصفات الثلاث تقتضي وجود جيش قوي مسئول عن أمن المواطن، واقتصاد قوي مسئول عن رزق المواطن

وعلم بالطب والدواء مسئول عن صحة المواطن، وعلى ذلك فكل دولة لا تمتلك جيشا قويا واقتصادا قويا وتقدما علميا لا تمتلك قرارها

 

وجدير بالذكر أن مصرنا الحبيبة تشترك مع البيت الحرام في صفتين من الصفات الخمس

وهما “الخير والأمن”، ففي القرآن: {اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم}، و{ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين}، فمصر تمتلك جيشا قويا يحميها، والخير فيها إلى يوم القيامة ..

وللحديث بقية

زر الذهاب إلى الأعلى