الدين والحياة

قــراءة تأملية في آيات الحج والعمرة ج (3)

بقلم/د. علاء إسماعيل الحمزاوي

بعد أن وصف الخطاب القرآني الحرم المكي بخمس صفات انتقل إلى الحديث عن الحج

فقال تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ}

الحَجّ والحِجّ قراءتان متواترتان، وبهما قرأ عاصم، الكسر رواية حفص، والفتح رواية شُعْبة، وأجمع القراء على الفتح في قوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ}

وقيل: الحَج بالفتح القصد

والحِج بالكسر القدوم

والأرجح أنهما لهجتان عند العرب بمعنى واحد لا فرق بينهما.

 وهذه الآية نزلت سنة 3هــ على الأرجح؛ ومن ثم فهي أول خطاب في وجوب الحج، ودليل الوجوب حرفا الجر اللام و{على}، فاللام للاستحقاق أي استحقاق الحج لله

و(على) للإلزام والإيجاب أي إلزام الناس بالحج لله، وعليه يكون الحج قد فُرِض منذ ذلك العام، وصار واجبا على الناس متى تمكّنوا من أدائه، لكن من المقصود بالخطاب في قوله تعالى: {الناس}؟

 

اختلف العلماء في ذلك، فذهب بعضهم إلى أن الخطاب عام، فجميع الناس مكلَّفون بالحج بما فيهم الكفار، وعدم إيمانهم بالله لا يمنع تكليفهم بالحج

لأن المُحدِث مكلَّف بالصلاة مع أن الطهارة شرط لصحة الصلاة؛ لأن هناك فرقا بين التكليف بالعبادة وصحة العبادة، فلم يكن عدم الشرط مانعا من كون المخاطب مكلّفا بالمشروط، فالكافر مكلَّف بالحج لكن كفره يفسد حجّه، ويعضد ذلك قوله تعالى: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}

فنداء إبراهيم عام لجميع الناس ولذلك كان الكفار يحجون إلى البيت الحرام قبل فتح مكة

وقيل: المقصود بـ{الناس} المسلمون المؤمنون بالله ورسوله؛ لأنهم المخاطبون بالقرآن، وعُبِّر عنهم بالناس للدلالة على عموم المسلمين منذ نزول القرآن إلى قيام الساعة، وأكد النبي ذلك الأمر في قوله: “أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ فَحُجُّوا، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ، ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه”، وفي رواية “أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَقيل: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ فقال: لَوْ قُلْتُهَا لَوَجَبَتْ وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَعْمَلُوا بها، ولن تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْمَلُوا بِهَا، الْحَجُّ مَرَّةً فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ”

فخطاب النبي موجّه للمسلمين بدليل أنه منع الكفار من الطواف بالبيت بعد فتح مكة، وهذا هو الأرجح في دلالة {الناس} في الخطاب القرآني من وجهة نظري..

وللحديث بقية

زر الذهاب إلى الأعلى