الدين والحياة

قــراءة تأملية في آيات الحج والعمرة ج (5)

بقلم/د. علاء إسماعيل الحمزاوي

 بعد أن بيّن ربنا فرض الحج قال تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}

قيل: المراد بالكفر هو الكفر بالله واليوم الآخر والأرجح أن الكفر هنا بمعنى الجحود والإنكار

فمَنْ جحد فريضة الْحَجِّ وأنكرها فقد كفر بالله والله غني عنه، وقيل: لما نزل قوله تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} قالت اليهود: نحن مسلمون، فقال لهم النبي: “إِنَّ اللَّهَ فرض على المسلمين حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا”

فَقَالُوا: لم يُكتَب علينا، ورفضوا أن يحجوا، فنزل قوله تعالى: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}، وكفر الإنسان أو إيمانه لا يضرّ الله ولا ينفعه بشيء، فالله غنيّ عن خلقه

لأنه الخالق الرازق الكريم القوي الجبار المعطي المانع، وجاء التعبير القرآني دقيقا في قوله: {العالمين} للتأكيد على أن الله غني عن البشر جميعا مؤمنهم وكافرهم، بل هو غنيّ عن الخلق جميعا من الإنس والجن والملائكة، وأنهم الفقراء إلى الله.

وفي موضع آخر قال تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}.

في هذه الآيات تحدث ربنا تعالى عن بعض أحكام الحج والعمرة، وبدأت بقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}، واختلف العلماء في مراد الله بالإتمام، فقيل: الإتمام بمعنى الأداء، أي أدوا الحج والعمرة

كقوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}، وعلى هذا القول صارت العمرة واجبة كالحج، وقيل: المقصود بالإتمام أن يكون الحج من المال الحلال فهو شرط لقبول العمل الصالح مطلقا والحج بشكل خاص

وقيل: المراد بالإتمام الامتثال لأوامر الله ونواهيه فهو واجب في كل الأحوال وللحاج والمعتمر والصائم أوجب وقيل: المراد بالإتمام إتمام المناسك من أركان وواجبات وسُنن

وأَرْكَانُ الْحَجِّ أربعة عند بعض العلماء وخمسة عند الآخرين وكلهم متفقون على “الإحرام

والوقوف بعرفة

وطواف الإفاضة (الزيارة)

والسعي بين الصفا والمروة”

ومختلفون في “الحلق أو التقصير”، فبينما يعدّه بعضهم ركنا يعده الآخرون واجبا

 والفرق بين الركن والواجب أن الحج لا يتمّ بدون الركن ويصحّ بدون الواجب مع الدم، وقيل: المراد بالإتمام إخلاص النية للحج والعمرة فقط، وليس للتجارة أو غيرها

حيث كانت العرب تقصد الحج للاجتماع والتفاخر وقضاء الحوائج وحضور الأسواق دون أن يكون لله تعالى فيه حظ يُقصَد

ومن ثم جاء قوله: {لله} تأكيدا على إخلاص النية والعمل لله بعيدا عن الرياء، وأيًّا ما كان المراد فإن هذه الآية متمِّمة لآية {ولله على الناس حج البيت} في وجوب الحج على المسلم المستطيع..

وللحديث بقية

زر الذهاب إلى الأعلى