الدين والحياة

قــراءة تأملية في آيات الحج والعمرة ج (6)

بقلم/د. علاء إسماعيل الحمزاوي

 بعد أن أكـد الخطاب القرآني وجوب الحج انتقل إلى بيان رحمة الله بالحجاج وقت الشدة

فقال تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ}، الحصر والإحصار المنع

والمراد هنا منع الحاج أو المعتمر من الوصول إلى البيت الحرام لإتمام مناسكه بعد إحرامه

والإحرام يبدأ من الميقات بملابس الإحرام مع النية والتلبية، وقد حدد النبي خمسة مواقيت مكانية للإحرام، فوقّت لأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذا الْحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَة وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْن الْمَنَازِلِ

وَلأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَم ولأهل العراق ذات عرق، ثم قال النبي: “هُــنَّ لَهُنّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أهلهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ”، أي أن هذه الأماكن هي مواقيت للإحرام لكل من يمرّ بها برّا أو بحرا أو جوّا يريد الحج أو العمرة.

ومجيء الفعل {أُحصِرتم} مبنيا للمجهول يقتضي أن يكون المانع خارج إرادة المحرم كالعدوّ أو المرض أو فقْد المال، والحصر يبيح للمُحرِم التحلّل، غير أنه لا يُسقط الشعيرة عنه، بل يلزمه أداؤها في العام المقبل أو متى استطاع، ففي الحديث “مَنْ كُسر أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَــلَّ، وَعَلَيْهِ الحج من قابل”، ولما مُنِع النبي من إتمام عمرة الحديبية في السنة السادسة من الهجرة أداها في السنة الهجرية السابعة.

والتَحَلُّل يكون بأمرين على الترتيب: الأول: تقديم هدْي (ذَبْح شاة)، ومَحِلّ الذبح مكان الحصر، وقيل: يرسل المُحْصَر هديه ليُذبَح في الحرم، ويظلّ مُحرِما حتى يُذبَح الهدْيُ، والأول أرجح؛ لأنه الأيسر، وهو فِعْل النبي في عمرة الحديبية.

ومن رحمة الله أنه قرن حصول الهدي بالتيسير، فقال: {استيسر}؛ ومن ثم فلا هدي مع المشقة والتعب؛ لأن الاستطاعة مناط التكليف، فلا تكليف إلا لمستطيع، عملا بقوله تعالى: {وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} وقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}، والهَدْيُ كالهَدِيَّة لكنه خُصّ بما يُهدَى إِلَى البَيْت الحرام تَقَرُّبًا إلى الله.

والأمر الثاني: حلق الرأس أو تقصيره، ولا يصلح العكس، وهو المراد بقوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}، والحلق أفضل من التقصير للرجال

لأن النبي دعا للمحلقين ولم يدعُ للمقصرين إلا بعد إلحاحٍ من الصحابة، حيث قال: “اللهم اغفر للمحلقين

قالوا: يا رسول الله وللمقصرين، قال: اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: يا رسول الله وللمقصرين، قال: وللمقصرين”، وإلحاح الصحابة قد يكون سؤالا أجاب عنه النبي أو دعاء أمّن عليه

وللحديث بقية

زر الذهاب إلى الأعلى