الدين والحياة

قــراءة تأملية في آيات الحج والعمرة ج (7)

بقلم/د. علاء إسماعيل الحمزاوي

 بعد أن تحدث الخطاب القرآني عن الحصر في الحج انتقل إلى بيان حكم من أحكام الحج، وهو الحلق الاضطراري

قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ}

وهذا الحُكم جاء عقب حكم الحصر

فهل الخطاب هنا خاص بالمُحصَرين أم هو عام للمحرمين كافة؟

الأرجح أنه عام لأن حالة الاضطرار قد تصيب أي مُحرِم والحلق للمحرم كالتسليم للمصلي يتحلّل به صاحبه بعد الانتهاء من الشعيرة

ومن ثم لا يجوز للمحرم حلق رأسه إلا عند التحلّل من إحرامه بعد أداء المناسك، إلا إذا اضطُر لذلك، وحدد الخطاب حالة الاضطرار بمرض أو أذى في رأسه كجراحة أو حشرات مؤذية له أو مؤذية للآخرين بالعدوى، والإسلام حريص على صحة الفرد وسلامة المجتمع، ففي هذه الحالة يحقّ له الحلق مع الفدية

وعلى هذا فالسياق يقتضي حذفا في الخطاب تقديره “فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فليحلق وعليه فدية”

وجاء التعبير القرآني دقيقا في استخدامه لفظة {فدية} ولم يستخدم لفظة (كفّارة)؛ لأن الفدية هي العوض عن الشيء الجليل النفيس الذي تعذّر فعله لسبب قهري

ومحرمات الحج والعمرة أمور لها جلالها وعظمها، أما الكفّارة فهي بمثابة توبة واستغفار لمن ارتكب محظورا استوجب إثما كالمعاشرة الزوجية أو الفطر المتعمد دون عذر في نهار رمضان

والمُحرِم الذي حلق شعره قبل إتمام مناسكه بسبب مرض أو أذى في رأسه لم يرتكب محظورا يأثم عليه حتى يكفّر عنه، إنما هو مضطر لذلك، والتكليفات مناطها القدرة والاستطاعة.

 والمُحرِم مخيَّر في الفدية بين الصيام والصدقة والنُّسُك، والصيام ثلاثة أيام، والصدقة إطعام ستة مساكين لكل واحد نصف صاع ومقدار الصاع ما بين 2.1كج إلى 2.6كج

والنُّسُك هو الذبح، وهو جمع نَسِيكة بمعنى الذبيحة ينسكها العبد لله، وتكون من الإبل والبقر والغنم، والنُسُك في اللغة الغُسْل، يقال: نسك ثوبه إذا غسله، ثم خُصّ بالعبادة، ومنه قوله: {وَأَرِنا مَناسِكَنا}، فكأن العابد غسل نفسه من الذنوب بالعبادة، والذبحُ لله من العبادة، والنُّسُك أعلاه بَدَنَة وأوسطه بقرة وأدناه شاة، وحرف العطف لمطلق التخيير ولا يقتضي الترتيب.

ومع أن الخطاب بدأ بالأيسر للمُحرِم وهو الصيام فإن النبيّ أوصى له بالأفضل إن استطاع إليه سبيلا، وهو النُّسُك؛ لأنه أنفع للآخرين، والعبادة التي تنفع المجتمع مع صاحبها خير من العبادة التي تنفع صاحبها فقط؛ وهنا ندرك مدى حرص النبي على إفادة المجتمع من خلال فقراء الحرم، ومكة كلها حرم، فإن لم يستطع المحرم الذبح فهو مُخيَّر بين الصيام والإطعام المحدود وفي كلٍّ خير لأن صاحبه يتقرب به إلى الله

وهذا الحُكم يشير إلى عظمة الإسلام التشريعية في مراعاته لقدرات العبد ومصلحة المجتمع..

وللحديث بقية

المصدر
الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق