الدين والحياة

قــراءة تأملية في آيات الحج والعمرة ج (8)

بقلم/د. علاء إسماعيل الحمزاوي

بعد أن تحدث الخطاب القرآني عن وجوب الحج ورخصه انتقل إلى بيان أنواع الحج ومتطلبات كل نوع

فقال تعالى: {فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ، تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ}

في هذا الخطاب إشارة إلى حج التمتع

والحج ثلاثة أنواع

الإفــراد أن يحرم الحاج بالحج فقط

والقران أن يقرن الحاج حجه بعمرة فيُحرِم بهما معا في مناسك واحدة

والتمتع أن يحرم الحاج بعمرة

ويؤدي مناسكها حتى يتحلل منها بالتقصير في أشهر الحج، ثم يحرم بالحج ويؤدي مناسكه

وسُمّي تمتعا لأن الحاج يتمتع بالعمرة ثم يتمتع بالتحلّل منها، ثم يتمتع بأداء مناسك الحج، وحج القران يأخذ حكم حج التمتع في وجوب الهدي.

وفي هذا الخطاب الشرطي يتحدث ربنا عن حكم من أحكام حج التمتع

فيقول للحجاج: إذا زال خوفكم وثبت أمنكم لأداء حجّكم، فمن كان منكم متمتعا بحجّه وجب عليه أن يذبح هدْيًا شكرا لله على إتمام مناسك العمرة والحج

ونلحظ أن الله ربط حصول الهدي بالتيسير {فما استيسر من الهدي}، فلا هدي مع المشقة والعناء

ومن لم يجد ما يذبحه من الهدي يصُمْ ثلاثة أيام في وقت الحج، ويُفضَّل أن تكون أيام السادس والسابع والثامن من ذي الحجة، ثم يصمْ سبعة أيام بعد انتهاء أيام التشريق، والأفضل أن يصومها بعد رجوعه إلى موطنه

والصيام يعـدّ رخصة من الله للحاج وتوزيع الصيام على مرحلتين هو رحمة ورفق وتيسير من الله للحاج

وفي كيفية التوزيع مراعاة لحالة الحاج، ففي حال انشغاله بمناسك الحج كُلِّف بصيام الأقـل، وفي حال فراغه واستقراره في موطنه كُلِّف بصيام الأكثر، فما أجمل هذا التشريع!

وقوله: {تلك عشرة كاملة} دفع للتوهم بأن الواو بمعنى (أو)

وتأكيد للتفصيل قبلها وأن العدد (سبعة) مقصود في ذاته وليس كناية عن مطلق الكثرة كما هو العُرف عند العرب، فقد أُطلِق وعُنِي الكثرة في حديث “أُنزِل القرآن على سبعة أحرف، كلها شاف كاف”، وبذلك يتبيّن أن الذي يحلّ محلّ النُسُك إنما هو صيام عشرة كاملة لا بعضها، ووصف العشرة بأنها {كاملة} للإشارة إلى أن هذا الصوم هو طريق الكمال لأعمال الحج، وأن المتمتع لا يكون حجه تاما حتى يصوم ما أمره الله به، ويجوز أن يكون المراد كاملة الأجر والثواب، ولا مانع من الجمع بينهما.

ثم استثنى الخطاب طائفة من الحُجّاج، فقال تعالى: {ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ}، واختلف العلماء في المراد بــ{حاضري المسجد الحرام}، فقيل: هم أَهْل الْحَرَمِ، وقيل: هم أَهْل مَكَّةَ، وقيل: كُلُّ مَنْ كَانَ وَطَنُهُ مِنْ مَكَّةَ عَلَى أَقَلِّ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَهُوَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ

وقيل: هُمْ أَهْلُ الْمِيقَاتِ فَمَا دُونَهُ، لكن هل الاستثناء يطرح سؤالا، هل هو في التمتع أم هو في الشكر لله بالنسك أو الصيام؟

ظاهر الخطاب يوحي بأن الاستثناء في الشكر لله بالنسك أو الصيام، فالمكيّ إذا تمتّع بالحجّ فلا هديَ عليه ولا صيام، وقيل: الاستثناء في التمتع؛ لأن المقيمين في مكة وما حولها يفردون ولا يجمعون، إذ العمرة في إمكانهم أن يؤدوها طول أيام السنة، والخطاب يحتمل التفسيرين..

وللحديث بقية

 

زر الذهاب إلى الأعلى