الدين والحياة

قــراءة تأملية في آيات الحج والعمرة ج (9)

بقلم: د. علاء إسماعيل الحمزاوي

بعد أن تحدث القرآن عن وجوب الحج ورخصه وأنواعه انتقل إلى التحذير من التهاون في أوامره ونواهيه وحدوده

فقال تعالى تعقيبا على ما فات: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيد العقاب}

فليست العبرة بما تفعله الجوارح من أعمال في الحج والعمرة، إنما العبرة بمدى خوف القلوب من الله، ومدى تأثير الحج في قلوب الحجاج من البر والتقوى وحب الطاعات وكره المعاصي

فليس كل من ذهبوا إلى الحج وأدوا المناسك على درجة واحدة من الأجر والثواب، كما أن هذا الختام يشير إلى مدى تأثير الثواب والعقاب في إصلاح المرء والمجتمع، ولو طُبِق هذا المبدأ في الأرض بحقٍّ لتقدمت الأمة.

ثم انتقل الخطاب إلى الحديث عن توقيت الحج وبعض آدابه، حيث قال تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ}.

بدأ الخطاب بقوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ}، ولم يحدد ربنا الأشهر كما حدد شهر رمضان للصيام؛ لأن الحج كان معروفا عند العرب منذ سيدنا إبراهيم، وأشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة أو العشر الأوائل منه على اختلاف بين العلماء

وقد نتج عن هذا الاختلاف اختلافهم في تأخير طواف الإفاضة إلى آخر ذي الحجة لسبب ما، هل يوجب دما أو لا يوجب؟ والأفضل والأوْلى ألا يُؤخَّر، وفي وصف الأشهر بالمعلومات إشارة إلى بطلان النسيء الذي كان يفعله الجاهليون تبعا لأهوائهم

والذي وصفه القرآن بالكفر الزائد في قوله تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ}، والنسيء هو التبديل والتغيير في الأشهر الحرم حسب أهوائهم، كما أن هذا التحديد يجعل الإحرام بالحج في غير أشهر الحج غير جائز، وهو الأرجح من أقوال العلماء.

ثم شرع ربنا في بيان آداب الحج، فقال تعالى: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} أي من أوجب على نفسه الحج، وبدأ في مناسكه بالإحرام والتلبية فلا يجوز أن يقع منه رفث ولا فسوق، والأصل في الرفث القول
الفاحش القبيح، والمقصود هنا الجماع، ولا مانع من الجمع بينهما، فالجماع بمقدماته الكلامية يضم المعنيين

والجماع قبل التحلل الأصغر مفسد للحج موجب هديا وحجّا آخر، والتحلل الأصغر يحصل باثنين من ثلاثة: طواف الإفاضة والحلق ورمي الجمرة الكبرى

أما الفسوق فهو الخروج عن طاعة الله بفعل المعاصي وارتكاب محظورات الإحرام، وفي تصوّري أن الرفث يدخل في الفسوق، لكنه خُصّ بالذكر للتشديد في النهي عنه لخطورته

فهو للحاج من كبائر الذنوب، والجدال هو النقاش غير المثمر المتعمد من طرف حتى يُغضِب الطرف الآخر؛ فيخرجه عن شعوره وثباته، فيَحدُث ما لا تُحمَد عقباه، فيضيع حجّهما، ولا ينال الحاج ثواب حجّه كاملا إلا بتجنب الرفث والفسوق والجدال، ففي الحديث “من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه”..

وللحديث بقية

زر الذهاب إلى الأعلى