الدين والحياة

قــراءة تأملية في آيات الحج والعمرة ج (10)

بقلم/د. علاء إسماعيل الحمزاوي

في ختام آيات الحج قال تعالى: {وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ}، وفي ذلك حثّ على فعل الخير عقيب النهى عن فعل الشر، والمعنى: اتركوا الأقوال والأفعال القبيحة، وسارعوا إلى الأعمال الصالحة خصوصا في تلك الأزمنة والأمكنة المفضلة

والله تعالى لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وسيجازيكم على فعل الخير بما تستحقون من جزاء

ثم قال تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى} أي تزودوا من الأعمال الصالحة للآخرة

وقيل: إن الآية نزلت في أناس من أهل اليمن حجوا بغير زاد، وقالوا: إنا متوكلون، ثم سألوا الناس الزاد، وربما أحدثوا رعْبا بين الحجاج؛ فأمرهم الله أن يتزودوا بالمال والطعام الذي يغنيهم عن سؤال الناس، ولا مانع من الجمع بين المعنيين

ثم ختم ربنا الآية بقوله تعالى: {وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ}، والألباب جمع لبّ، وهو أفضل ما في الشيء، وسُمّى به العقل؛ لأنه أشرف ما في الإنسان، وفي الأمر تأكيد للحث على التزود من التقوى

ولما كان التزود بالزاد القلبي بالتقوى لا يتنافى مع التزود بالزاد المادي بحصول المنافع الدنيوية تفضّل الله بكرمه على الحجاج، فأباح لهم التزود المادي، قال تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ}

والجناح هو الميل، وهو مأخوذ من جنح السفينة إذا مالت إلى أحد جانبيها، والجناح هنا هو الإثـم؛ لأن الإثم يميل بالإنسان عن الحق إلى الباطل، فسُمّى جناحا، والابتغاء هو الطلب بشدة، والدلالة العرفية للفضل الزيادة بالخير، والمراد به حصول المال الحلال عن وجوه الرزق المشروع، والمراد من الخطاب أنه لا إثم ولا حرج عليكم في أن تطلبوا رزقا حلالا ومالا طيبا عن طريق التجارة أو غيرها من وسائل الكسب المشروعة في موسم الحج، وسبب التفضل الإلهي على الحجاج أنهم كانوا يتحاشون من التجارة في الحج، حتى إنهم كانوا يتجنبون البيع والشراء في العشر الأوائل من ذي الحجة، فنزلت الآية لتخبرهم أنه لا حرج عليهم في ذلك.

لكن الله شرط عليهم ألا يشغلهم حصول الرزق عن أداء المناسك، قال تعالى: {فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ}، أفضتم: اندفعتم متزاحمين من عرفات مسرعين إلى المشعر الحرام، وعرفات اسم للجبل المعروف، وسُمّى بذلك لأن الناس يتعارفون به، فهم يجتمعون عليه في وقت واحد فيجري التعارف بينهم

وهو ركن الحج الأكبر، بل الحج عرفة، ويفضّل التبكير إلى عرفة يوم التاسع، ولا يجوز مغادرته قبل الزوال، ويُستحَب أن يمكث الحاج بعرفة جزءا من النهار وجزءا من الليل، ومن أدرك عرفة قبل أن يطلع فجر العاشر فقد أدرك الحج؛ لأن الخطاب في قوله: {فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ} مطلق غير مقيد بليل أو نهار، والأفضل أن يقف بعرفة من الزوال حتى الغروب، يصلي فيه الظهر والعصر جمع تقديم، ولا يصلي المغرب والعشاء، بل يصليهما بمزدلفة جمع تأخير، ويكثر الحاجُّ من الذكر والدعاء ويلحّ فيه، وهو فعل النبي، فقد جمع بعرفة الظهر والعصر، ثم وقف على ناقته رافعا يديه ولسانه يلهث بالذكر والدعاء حتى الغروب، وهو القائل: “خذوا عني مناسككم”، ومن مناسكه أن صيام يوم عرفة مكروه للحجاج؛ فلم يصمه النبي، وعلة ذلك التخفيف على الحجاج لتقويتهم على الإكثار من الذكر والدعاء يوم عرفة، وصيامه مستحب جدا لغيرهم، وثوابه كبير، يكفّر ذنوب سنة ماضية وسنة قادمة بفضل الله، وينبغي أن يصطحب الصيام بالدعاء والذكر ولاسيما التكبير أسوة بالحجاج.

والمشعر الحرام هو المزدلفة، ووصف بـ{الحرام}؛ لأنه من أرض الحرم، وهو من مناسك الحج، وسُمّي المزدلفة من الازدلاف وهو القرب؛ لأن الحجاج يزدلفون إليها من عرفات ليبيتوا بها قاصدين الاقتراب من منى، ويسمَّى «جمع» لاجتماع الناس فيه ويجمعون فيه بين صلاتي المغرب والعشاء جمع تأخير، وثمة خلاف بين العلماء على أن الوقوف بالمزدلفة ركن أو واجب أو سنة مؤكدة، والمراد من الخطاب القرآني الحث على الذكر بالتلبية والتهليل والدعاء؛ لأن ذكر الله في تلك المواطن يرفع الدرجات ويزيد الثواب ويحطّ الخطايا..

وللحديث بقية

زر الذهاب إلى الأعلى