الدين والحياة

أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً

بقلم: د. أحمد يوسف الحلواني

 

العلمُ الحديثُ والمُعاصِرُ جَعل الناسَ يَمِيلونَ مَيّلاً ظاهراً عَظيماً إلى مَنْطق المادة وأصبحوا يُنكرون بلْ وأحياناً يَسخرون مِن منطق الروح والمعنى

وهذه بدايةٌ خطيرةٌ قدْ تَنْتَهى بِنا بَعد مِائة أو مِائتين مِن السنين إلى نهاية كالتي إنتهى إليها الدين في الغرب المسيحي بدايات التبرير إما بإسم الفلسفة أوبإسم العلم أوعقلنة الدين أو التفكير المنطقي فإذا بالدين يَفرغ شيئاً فشيئاً مِن حقيقتهِ وجوهرهِ ويَنْتَهي الناس بَعد قَليل أو كثير إلى أن يَقولوا كما قَال الأولون {أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً }.

وأصبحنا نَسمع ونَقرأ ِمن بَعض المسلمين للاسف قوله “أنا لا أستوعب هذه الأشياء لأنها خوارق، هذه الأشياء لا تخضع لقانون علمي ) ..

فأصبحَ يَغْلُب عَلينا العقل المادي والعقل الحسابي فأنْبَت فِينا قَسوة وغِلظة أذَهبت البركة في العمل وصار هناك تشانؤ وتباغض وتناحر بإسم الدين .

هؤلاء عليهم أن يَستوعبوا جيداً أن جوهر الدين هو الإيمان بالغيب ، وأن هذه الاشياء لا تنسلك في نظام الأسباب، وعلى مُعتاد الأسباب فضلاً على نظام العقل، فلا مجال هُنا لقضية مُخالفة العلم والمنطق أو عدم إستيعاب العقل لها .

ومن أكثر المسائل التى أُنْكِرت وضجت بها صفحات الملاحدة إنكاراً وسخرية على مواقع التواصل الإجتماعي مسألة كرامات أولياء الله الصالحين .

و أولياء الله هم أهل الإيمان, قال تعالى { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ۝ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ }.

والكرامة وهي النعمة التي تحصل لهم خرقاً للعادة ويقال لها كرامة وهي تكون للأولياء وللرسل، وتسمى في حق الرسل معجزة، وفي حق الأولياء كرامة.

وقال شيخ الاسلام ابن تيمية: رحمه الله تعالى ” ومن أصول أهـل السنة والجماعة :

التصديق بكرامات الأولياء وما يُجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات ، وأنواع القدرة والتأثيرات، كالمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها ، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر قرون الأمة، وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة”.

ومن أعظم وأشهر كرامات اولياء الله الصالحين التى حدثنا عنها القران الكريم لإمرأة لم تكن نبية في رأي جماهير علماء المسلمين خلافاً لمَن شذ كابن حزم وغيره وهى السيدة مريم عليها السلام ، لم تكن في رأي الجمهرة نبيةً فضلاً عن أن تكون رسولةً ، ولها كراماتٌ ظاهرة وآياتٌ باهرة أخبرنا بها سبحانه وتعالى فى سورة آل عمران..

فعن عبد الله بن عباس وعن مُجاهِد بن جبر سعيد بن جبير وأبي صالح وعطية العوفي وسفيان الثوري وغيرهم كثير قالوا “كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف من غير سبب”، وهو نبيٌ يتعجَّب ويقول {أَنَّى لَكِ هَذَا } ، فقالت المرأة الصالحة وولية الله المُكرَمة {هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } ، أي بغير أسباب وبغير تعاطي أسباب مألوفة للناس، فهذه هى الكرامة.

والقران الكريم قد حدثنا في أكثر مِن موضع عن كرامات الله الصالحين التى جَرت على أيديهم ، لكن للأسف بعض المنكرين للكرامات لا يُنكِرون عن عقل ولا عن علم ولا عن نقل إنما يُنكِرون نفاسةً وحسداً بمعنى مالم يثبت لى لا أُثبتهُ لغيرى ومن هُنا قال الإمام ابن السُبكي رحمة الله عليه “أخشى على مثله المقت من الله تبارك وتعالى”، أي شدة الكره من رب العزة ، بدلا من أن يتواضع وأن يُبالِغ في الصلاح والصدق وتخليص النية والقصد والعزائم لعل الله يُكرِمه ببعض ما أكرم به عباده الصالحين في كل زمانٍ ومكان بفضل الله تبارك وتعالى .

المصدر
الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق