الدين والحياة

د. علاء الحمزاوي يكتب قـــراءة تأملية في سورة يوسف ج(31)

بقلم/د. علاء إسماعيل الحمزاوي

الرحلة الثانية لإخوة يوسف إلى مصر

هذه الرحلة تتميز بأنها أشبه بتلبية دعوة ملكية لدخول القصر الملكي المصري

وهي تبدأ بموافقة يعقوب على إرسال بنيامين مع إخوته إلى مصر، بناء على طلب العزيز

وقد أخذ عليهم عهدا بالحفاظ عليه وإرجاعه إلى أبيه إلا إذا هلكوا جميعا، {قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَن يُحَاطَ بِكُمْ}، ثم جعل الله عليهم وكيلا، {فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ}.

ثم وجّه يعقوب وصية ثمينة لأبنائه {قَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ}

إنها وصية أب خائف على أبنائه وقد اشتملت على ستة معان: نهي وأمر ونفي وتأكيد وإخبار وأمر، وكل معنيين مرتبطان.

السؤال: لماذا لم يوجه يعقوب هذه الوصية لأبنائه في الرحلة الأولى؟!

أعتقد أنه لم يفعل ذلك لأمرين: الأول أنه لم يكن يعلم كيفية دخولهم القصر الملكي في مصر ولا مقابلة الملك وماذا سيحدث معهم؟ وإنما علم ذلك من خلال حكيهم له عن الرحلة، الأمر الثاني أنهم سيدخلون القصر في الرحلة الثانية بصفتهم إخوة وهم أحد عشر أخا، معهم بنيامين وهو أقربهم إلى قلبه، فكان خوفه عليهم أشد.

قـوله: {لا تدخلوا من باب واحد}، نهي يشير إلى خوف يعقوب على أبنائه من الحسد؛ لأنهم ذوو هيبة وكثرة وجمال، و”العين حق، ولو كان شيء يسبق القدر لسبقت العين القدر”

بل أصابت العين النبي، فتوجع وجعا شديدا، فرقاه جبريل، يقول: “إن جبريل أتاني فرقاني، فقال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، ومن شر كل نفس أو عين حاسدٍ اللهُ يشفيك”، وكان النبي يعوّذ الحسن والحسين بقوله: “أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة”، والكلمات التامة أي الشافية الواقية النافعة أو التي لا نقص فيها ولا عيب أو هي أمر الله النافذ أو هي القرآن، والهامة ذات السمّ من الحشرات، والعين اللامة الحاسدة الشريرة.

قوله: {وادخلوا من أبواب متفرقة} يشير إلى كثرة أبواب القصر، وأنهم سيدخلون من أبواب متباعدة ثلاثة فأكثر؛ لأن الجمع يبدأ من ثلاثة

والأبواب المقصودة هي الأبواب الخارجية؛ لأنهم دخلوا على العزيز مجتمعين، وقوله: {وما أغني عنكم من الله من شيء} نفي يشير إلى إيمان يعقوب بقدر الله، فلا يصل شيء إلى أبنائه إلا ما قدره الله، وأن الحذَر لا ينجّي من القدَر

ثم أكد يعقوب إيمانه بالله، فقال: {إن الحكم إلا لله}، والمقصود بالحكم قدرة الله في اختيار الأفضل للإنسان، ونتيجة لإيمانه بالله كان اعتماد يعقوب على الله وحده دون غيره، فقال: {عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون}.

ماذا يستفاد من وصية يعقوب؟ وهل نفذها أبناؤه؟

للحديث بقية

زر الذهاب إلى الأعلى