الدين والحياة

د. علاء الحمزاوي يكتب قـــراءة تأملية في سورة يوسف ج(32)

بقلم/د. علاء إسماعيل الحمزاوي

الرحلة الثانية لإخوة يوسف إلى مصر

يستفاد من وصية يعقوب أن الإنسان مأمور بأربعة أشياء:

الحذر من الأشياء الضارة

والسعي في تحصيل المنافع

وتحذير الآخرين من كل سوء ومكروه

والإيمان بقضاء الله الذي يقتضي حسن التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب في تحصيل النفع ودفع الضَّر.

نفّـــذ الأبناء وصية أبيهم ولم يعرفوا مغزاها، قال تعالى: {وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}

أي ما كان دخولهم متفرقين يدفع عنهم قدر الله، وما كان يعقوب ليمنع قضاء الله من شر أو ضرر، ثم أكدت الآية أن يعقوب يتكلم بوحي من الله، ولكن أكثر الناس ومنهم أبناؤه لا يعلمون ذلك.

كيف استقبلهم يوسف؟

لما دخلوا عليه قالوا له: أيها العزيز هذا أخونا الذي أمرتنا أن نأتي به، فشكر لهم استجابتهم وأحسن ضيافتهم، ثم أجلس يوسف كل أخوين معا

فبقي بنيامين وحيدا فقال: لو كان أخي يوسف حيا لأجلسني معه، فأجلسه يوسف على مائدته، وصنع مثل هذا في المبيت، وهذا تفسير قوله تعالى: {وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَخَاهُ}، ثم أدار حوارا مع أخيه عرف منه كل شيء عن أبيه وأهله، ثم قال له: أتحب أن أكون أخاك بدلا من أخيك الذي هلك؟ فقال: ومن يجد أخا مثلك أيها الملك؟ فبكى يوسف وعانقه و{قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، أي لا تحزن بما كانوا يفعلونه معنا، فإن الله قد أحسن إلينا، ثم طلب منه ألا يخبر إخوته بما دار بينهما، وكلام يوسف يدل على أنه قد صفا قلبه تجاه إخوته، فلم يبق في قلبه شيء منهم، وهذا خلق الأنبياء والصالحين، وهنا درس في مقابلة الإساءة بالحسنى.

ــ أوفى يوسف لهم الكيل، ثم أمر بصواع الملك أن يوضع خِلْسة في متاع بنيامين، وهو سقاية مرصّعة بالجواهر كان الملك يشرب بها، ثم جُعلت صاعا للكيل بركة للمصريين، وقيل غير ذلك، وذلك قوله تعالى: {فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ}

ثم انطلق إخوته عائدين مع القافلة إلى الشام، ولما بلغوا آخر العمران أرسل وراءهم الحرّاس فاستوقفوهم، حتى وصل يوسف إليهم

فقال لهم: ألم نكرم ضيافتكم وأحسنا منزلكم ووفّينا لكم الكيل، وفعلنا بكم خيرا لم نفعله بغيركم؟!

قالوا: بلى أيها الملك، ماذا حدث؟

فقال يوسف أو قال المؤذن: {أيتها العير إنكم لسارقون}، العير الدواب، والمقصود أصحاب العير؛ لأن العيــر لا تُسأل، وهو استخدام مجازي كقوله: {واسأل القرية}، والمقصود أهل القرية.

وهنا السؤال: إذا كان الكلام ليوسف فكيف يتهم إخوته بالسرقة وهو يعلم أنه اتهام كاذب؟

وإذا كان الكلام للمؤذّن فكيف سكت يوسف ولم ينكره عليه؟ وهل في ذلك إثـم؟

للحديث بقية

زر الذهاب إلى الأعلى