الدين والحياة

د. علاء الحمزاوي يكتب قـــراءة تأملية في سورة يوسف ج(33)

بقلم/د. علاء إسماعيل الحمزاوي

 الرحلةالثانية لإخوة يوسف إلى مصر

 قوله تعالى: {أيتها العير إنكم لسارقون}

يطرح سؤالا: إذا كان الكلام ليوسف فكيف يتهم إخوته بالسرقة وهو يعلم أنه اتهام كاذب؟

وإذا كان الكلام للمؤذّن فكيف سكت يوسف ولم ينكره عليه؟

وهل في ذلك إثـم؟

ذكر العلماء في تفسير ذلك أن يوسف قال لأخيه بنيامين: أريد أن أبقيك معي فكيف ذلك؟ ففكّرا معا فهداهما تفكيرهما إلى هذه الخطة

وعلى ذلك فلا ذنب عليه حيث لا ظلم لأخيه في الاتهام، وقيل: إن المقصود بالسرقة سرقة يوسف من أبيه قديما!

وكأن الكلام له معنيان قريب وبعيد، وهو ما يسمى في البلاغة بـــ(التورية)

وقيل: إن المؤذن ذكر ذلك على سبيل الاستفهام، وحذفت الهمزة للتخفيف، وهو جائز في اللغة، ولا دليل يؤكد أو ينفي أحد هذه التفسيرات، فتبقى كلها محتملة

وسياق الخطاب يوحي بأن يوسف وافق على وصف إخوته بالسرقة سواء أكان الوصف منه أم من المؤذن.

ذُهِــل الإخوة من هذا الكلام، فأقبلوا على العزيز وحاشيته، وسألوهم: ماذا ضاع منكم؟ فقالوا: سقاية الملك فقدناها ولا نتّهم أحدا غيركم، وهذا تفسير قوله تعالى: {قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ}

ثم قال يوسف: {وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ}، أي له حمل بعير من الطعام، وأنا كفيل بإعطائه ذلك، وهذا أمر لافت للنظر، إذ كيف يُعطَى السارق مكافأة على ردّ السرقة؟! مما يعضد الاعتقاد بأن الأمر مدبّر سلفا بين يوسف وأخيه.

ماذا كان رد الإخوة على الاتهام؟

كانوا واثقين من براءتهم، وبكل ثقــة {قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ}، أقسموا على أمرين:

الأول: عدم الإفساد بإتلاف الزرع بدوابهم

والثاني: عـــدم السرقة

بل كانوا مواظبين على الطاعات، سلوكهم سلوك الأنبياء والصالحين

لأنهم أبناء أنبياء والدليل أنهم حملوا معهم أثمان طعام الرحلة الأولى إلى العزيز، بل بلغوا من الثقة بأنفسهم أنهم طلبوا من العزيز تطبيق شريعتهم على السارق إن كان واحدا منهم

وهي شريعة متشددة في حد السرقة، فاستثمر العزيز الموقف وأراد أن يؤكد كلامهم، فقال: {فما جزاؤه إن كنتم كاذبين}، {قالوا من وُجِد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين} أي طبّق عليه شريعتنا أيها العزيز، فعندنا “من يسرق يُسترَق”، فإذا ثبتت السرقة على أحدنا فخذه عبدا عندك

وهذا هو جزاء الظالمين في شريعة يعقوب، فوافق العزيز على تطبيق شريعة يعقوب في حــدّ السرقة على أرض مصر، وهذا أمر لافت للنظر، فلم يحدث في التاريخ أن يُطبَق قانون دولة في دولة أخرى، لكن حدث ذلك في مصر تحقيقا لقوله تعالى: {وكذلك كدنا ليوسف}، وصارت الأمور على ما يحب يوسف، تحقيقا لقوله تعالى: {والله غالب على أمره}.

أمـر يوسف بتفتيش أمتعتهم قبل متاع بنيامين، فلماذا؟

للحديث بقية

زر الذهاب إلى الأعلى