الدين والحياة

د. علاء الحمزاوي يكتب قـــراءة تأملية في سورة يوسف ج(34)

بقلم/د. علاء إسماعيل الحمزاوي

الرحلة الثانية لإخوة يوسف إلى مصر

أمـر يوسف بتفتيش أمتعتهم قبل متاع بنيامين وهذا ذكاء من يوسف !

ولعل هدفه من أن تنسبك الخطة المدبرة مع أخيه وفي الوقت ذاته يثبت للمصريين أن إخوته شرفاء فلو بدأ بأخيه بنيامين لأوقف تفتيش أمتعة إخوته

وهنا يمكن للمصريين الشكّ في أنهم سرقوا أشياء أخرى فبدأ بهم وأخّر بنيامين، وكلما فتّش الحراس أحدهم استغفر يوسف ربه

فتشوا أمتعتهم جميعا إلا متاع بنيامين رفض يوسف تفتيشه فأصرّ إخوته على تفتيشه فاستخرجوا السقاية منه، وهذا تفسير قوله تعالى: {فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه}

انظروا إلى ترتيب القدَر ليوسف ولذلك عقّب ربنا بقوله: {وكذلك كدنا ليوسف}أي دبرنا له.

لما استخرج الحُرّاس الصواع من متاع بنيامين سأله إخوته: كيف خرج الصواع من رحلك؟

فقال: وضعه الذي وضع نقودكم في رحالكم، فلم يفهموا ردّه، وأخذوه إلى العزيز؛ لأنهم هم الذين حكموا بذلك، فأخذ يوسف أخاه بشريعة إخوته وليس بقانون الملك

لأن في شريعة الملك “السارق يعاقب بالضرب مع دفع ضعفي المسروق”، وهذا معنى قوله تعالى: {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ}، فدين الملك حكم الملك

والمقصود أنه صار تحت سلطة يوسف؛ ولذلك لم يعترض الملك على أن يأخذ يوسف بنيامين؛ لأنه خضع لشريعة يعقوب، وهنا قال تعالى: {وكذلك نرفع درجات من نشاء}، أي نرفع يوسف على إخوته، فصار هو وزيرا وهم محتاجون إليه

وقد أخذ العلماء من هذه الآية أن العلم أشرف المقامات وأعلى الدرجات.

لم ينته الموقف عند هذا الحد بل اشتاطوا غضبا وغيظا من تصرّف بنيامين، ونكّسوا رؤوسهم في الأرض استحياءً من العزيز، وقالوا: هذه واقعة عجيبة لقد ولدت رحيل ولدين لصّين يوسف وبنيامين

وهذا هو تفسير {قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ}، ونلحظ أنهم تبرّأوا من أخيهم في الإساءة، فقالوا: {أخ له} ولم يقولوا: “أخ لنا”، وهذا الأمر تكرر في حديثهم مع أبيهم

حيث قالوا له: {إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ}، ولم يقولوا: “أخونا سرق”، في حين أنهم لما كانوا محتاجين لأخيهم قالوا لأبيهم: {فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ}، وهذا يعني أن التعبير مرتبط بالمصلحة.

وتوقف العلماء عند تفسير سرقة يوسف، فقالوا: إنه أخذ أصناما كان يعبدها جــدّه لأمه، أخذها بأمر أمه ليكسّرها، وقيل: كان يأخذ الطعام من البيت بدون علم أبيه ويعطيه للفقراء، وقيل: كان يعيش مع عمته صغيرا، فقرر أبوه أن يأخذه، فوضعت قلادة في وسطه (سلسلة من الذهب أو الفضة) واتهمته بالسرقة حتى تُبقِيه عندها وفقا لشريعتهم

وقيل: اتهموه كذبا كراهةً له، والسياق يرجّحه؛ لأنه لا دليل يؤكد أحد الاحتمالات الأخرى.

هذه العبارة المؤسفة {فقد سرق أخ له} أسرّها يوسف في نفسه ولم يتكلم بشأنها، لماذا؟

للحديث بقية

زر الذهاب إلى الأعلى