الدين والحياة

د. علاء الحمزاوي يكتب قـــراءة تأملية في سورة يوسف ج(35)

بقلم/د. علاء إسماعيل الحمزاوي

الرحلة الثانية لإخوة يوسف إلى مصر

هذه العبارة المؤسفة {فقد سرق أخ له} أسرّها يوسف في نفسه ولم يتكلم بشأنها، لماذا؟

حتى لا يعرفوه لكنه غضب منهم قائلا في نفسه: {أنتم شر مكانا في الأرض}؛ لأنهم سرّقوه ولم يَسرِق، بل هم سرقوه من أبيه لما ألقوه في الجب، ثم قال: {والله أعلم بما تصفون} أي بما تصفون يوسف بالسرقة كذبا وبهتانا، والمدقق في القرآن يُلاحِظ أنه كلمة (تصفون) استعملها القرآن دائما في سياق الكذب.

لكن كيف أخذ يوسف أخاه وهو متأكد أن أباه سيحزن عليه حزنا شديدا؟ لعل الله أوحى إليه بذلك، ويسّر له الأمر؛ لكي يشدد في المحنة على يعقوب، وهذه سنة الله مع الأنبياء والصالحين، يصيبهم بمزيد من الابتلاءات والمحن للصبر والتحمّل برضا وإيمان، وهم قدوة للناس.

بعد أن سكن غضب الإخوة من فعلة بنيامين تذكّروا أباهم وحزنه الشديد على فقد يوسف، وأن حزنه سيزيد بفقد بنيامين، فتوجهوا إلى العزيز بكلام رقيق، {قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}، يُلاحَظ في كلامهم أمران: الأول أنهم انتقلوا من مبدأ “العدل في العقاب” إذ قالوا من قبل: {من وُجِد في رحله فهو جزاؤه} إلى مبدأ “الفضل في الإحسان”؛ حيث عرضوا عليه الشفاعة والفداء {فخذ أحدنا مكانه}، مستخدمين أسلوب الاستعطاف {إن له أبا شيخا كبيرا}، أي رجلا مسنّا ضعيفا أو ذا مكانة في قومه تتنافى مع فضيحة السرقة

والأمر الثاني وصْفهم يوسف بالإحسان وهو وصف يذكّرنا بوصف السجناء له حينما قالوا: {نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين}، مما يؤكد أن يوسف يتمتع بصفة الإحسان إلى الآخرين أيا ما كانوا، فالمحسن لا يفرّق في إحسانه بين الناس، وقد لمسوا إحسانه إليهم في إكرامهم وتوفية الكيل لهم.

رفض يوسف عَرْضهم مع علمه بحزن أبيه! لأن القصة من أولها لآخرها مدبرة بوحي سماوي ليأخذ أخاه، بل {قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ}، وعبارة {إنا إذاً لظالمون} تشير إلى عدل يوسف باعتباره حاكما، فلا يعاقب المرء بذنب غيره؛ وهذا قانون سماوي، فــ{لا تزر وازرة وزر أخرى}.

تأكد الإخوة أن يوسف عازم على تنفيذ الحكم، وقد يئسوا من المحاولة، فماذا صنعوا؟

للحديث بقية

زر الذهاب إلى الأعلى