الدين والحياة

د. علاء الحمزاوي يكتب قـــراءة تأملية في سورة يوسف ج(36)

بقلم/د. علاء إسماعيل الحمزاوي

الرحلةالثانية لإخوة يوسف إلى مصر

نجحت خطة يوسف في أن يأخذ أخاه بنيامين معه وتأكد الإخوة أن يوسف عازم على تنفيذ الحكم، وقد يئسوا من المحاولة، فمشوا يتناجَون فيما بينهم ماذا يفعلون؟

فذكّرهم كبيرهم بعهدهم مع أبيهم، وذلك تفسير {فلما استيأسوا منه خلصوا نجيّا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين}، واختلف العلماء في {كبيرهم} هل هو أكبرهم سنًّا وهو روبيل أو هو أرجحهم عقلًا وهو يهودا الذي منع إخوته من قتل يوسف؟

كلا الرأيين محتمل

لأن كلمة (كبير) تعني (المسن) و(العظيم)، هذا الأخ الكبير قرّر ألا يعود معهم إلى أبيهم وأن يبقى في مصر إلى أن يشاء الله، وقال لهم: {ارْجِعُوا إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ}.

رجع إخوة يوسف إلى أبيهم وحكوا له فلم يصدّقهم ولم يكذّبهم، إنما قال لهم: كيف عرف الملك أن في شريعتنا “من يسرق يسترقّ”؟! فأخذوا يعضدون كلامهم بالشواهد، فقالوا: {واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون}، والمقصود بالقرية مصر أو القرية التي استوقفهم عندها العزيز، والسؤال مجازي أي اسأل أهلها، أو حقيقي بمعنى أنك لو سألت جدران البيوت لأخبرتْك بصدقنا، وأبوهم نبي ذو خصوصية عن بقية البشر، فله أن يسأل الجماد، واستشهادهم يدل على ثقتهم بصدقهم ولذا قالوا: {وإنا لصادقون}.

ثم استحضرت ذاكرتُه يوسف، فقال: {بل سوّلتْ لكم أنفسُكم أمرًا فصبرٌ جميلٌ}، فهي ذات العبارة التي قالها لهم عندما ضيّعوا يوسف، لكن التعقيب مختلف، فهناك قال: {واللهُ المستعانُ على ما تصفون} أي أستعين بالله على كذبكم، وفيها إشعار بمحنة يعقوب بعد فقد يوسف، وهي محنة تتطلب صبرا ورضا، أما هنا فقال: {عسى اللهُ أن يأتيَني بهم جميعا إنه هو العليمُ الحكيمُ}، فالتعقيب هنا يُشعر بإحساس يعقوب بانفراجة في الأمر؛ لأن (عسى) تدل على الأمل والرجاء في رجوع المفقود، وضمير الجمع في (بهـم) يشير إلى يوسف وبنيامين وأخيهم الأكبر، ثم أعرب يعقوب عن حزنه الشديد لفقد يوسف.

ثـم تنحى يعقوب بعيدا عنهم يتذكر يوسف ويتحسر عليه، فماذا تحسّر على يوسف ولم يتحسر على أخيه؟

للحديث بقية

زر الذهاب إلى الأعلى