الدين والحياة

د. علاء الحمزاوي يكتب قـــراءة تأملية في سورة يوسف ج(37)

بقلم/د. علاء إسماعيل الحمزاوي

 الرحلة الثانية لإخوةيوسف إلى مصر

أعرب يعقوب عن حزنه الشديد لفقد يوسف، ثم تنحى بعيدا عنهم يتذكر يوسف ويتحسر عليه دون بنيامين

قال تعالى: {وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم}

ذلك لأن فقــد يوسف ترتب عليه فقد أخوَيه، وكان حزنه شديدا حتى أصاب عينيه بـ(المياه البيضاء)، وبذلك جمع يعقوب بين الحزن على أبنائه والأمل في عودتهم، وكلاهما مشروع مطلوب، فالحزن غريزة إنسانية كالفرح بشرط ألا يصطحبه اعتراض وسخط، والأمل في الله من ثوابت الدين عند المؤمن.

لما كان حال يعقوب هكذا اعترض عليه أولاده بـردّ قاسٍ: {قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ}، أي ستظل تذكر يوسف حتى يفسُد عقلك بالجنون وجسدك بالضعف، أو تقتل نفسك حزنا عليه، فردّ عليهم {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ}

أي أشكو كثرة همومي وأحزاني إلى الله، ويقال: إنه ازداد شيخوخة وضعفا حتى قيل له: تهشّمْتَ ولم تبلغ سن أبيك إسحق؟

أي ضعُفتَ وهرِمتَ، فقال: هشّمني يوسف، فعاتبه الله على ذلك، فاستغفر الله، ويستفاد من هذا أن الصبر الجميل لا ينافي الحزن الشديد، وكلاهما لا ينافي الشكوى إلى الله، فقد رُوِي عن موسى قوله: “اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث وعليك التكلان‏”‏‏، ومن دعاء النبي ‏‏‏”اللهم إني إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس”.

ثم قال يعقوب: {وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}، أي أعلم من رحمته وفضله ما لا تعلمونه، وهذا يؤكد إيمانه في الله بعودة أولاده، لكن ما دواعي الأمل عند يعقوب؟ ذكر العلماء منها:

1ــ أن ملك الموت أتاه فسأله يعقوب: هل قبضت روح يوسف؟ فقال: لا يا نبي الله، مشيرا إلى مصر قائلا: اطلبه ههنا.

2ــ يعقوب يعلم أن رؤيا يوسف صادقة، وأنها ستُحقَّق مستقبلا.

3ــ يعقوب عرف من أولاده أن ملك مصر لم يعاقب بنيامين على السرقة، فأحسّ أن الملك هو يوسف.

4ــ لعل الله أوحى إلى يعقوب بأن يوسف حـيّ وأنهما سيلتقيان يوما ما؛ ولذلك توجه يعقوب إلى أولاده بوصية قائلا: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}

للحديث بقية

زر الذهاب إلى الأعلى