الدين والحياة

د. علاء الحمزاوي يكتب قـــراءة تأملية في سورة يوسف ج(38)

بقلم/د. علاء إسماعيل الحمزاوي

 الرحلة الثالثةلإخوة يوسف إلى مصر

كانت الرحلة الأولى لشراء الطعام من مصر، وعادوا بالطعام وثمنه إظهارا لكرم العزيز؛ مما حفزهم على الرحلة الثانية التي كانت بدعوة من يوسف عزيز مصر لهم من أجل إحضار أخيهم بنيامين معهم، وأبرز ما فيها تدبير حادث السرقة، وانتهت الرحلة بعودة الإخوة إلى أبيهم دون بنيامين؛ فاشتد حزن يعقوب حتى أصيب بالعمى المؤقت، ومع ذلك كان لديه إحساس بأن يوسف لا يزال حيا، وهو ما أكدته الرحلة الثالثة.

بدأت الرحلة الثالثة بوصية يعقوب لأبنائه كما بدأت الرحلة الثانية، لكن الوصيتين مختلفتان في الهدف، فبينما هدفت الوصية الأولى إلى الوقاية من الحسد {لا تدخلوا من باب واحد} حـثت الوصية الثانية الأبناء على الجدية في البحث عن يوسف وأخيه وعدم اليأس من رحمة الله؛ حيث قال لهم: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}، والمتأمل لهذه الوصية يلحظ الآتي:

1ــ أن يعقوب لم يقل: “ابحثوا”، إنما قال: {تحسّسوا}؛ لأن البحث يتضمن سؤال الناس بشكل مباشر، إنما التحسّس التماس الشيء بالحواس دون أن يشعر بذلك أحد، وقيل: التحسّس يكون في الخير، والتجسّس يكون في الشر؛ لأنه هو البحث والتفتيش عن عورات الإنسان؛ ولذلك نهى الله عنه في قوله تعالى: {ولا تجسّسوا}، في حين أمر يعقوب أبناءه أن يتحسّسوا، والمراد أن يستخدموا حواسّهم المباشرة واللامباشرة من سمع وبصر وشمّ وتذوق ولمس وإحساس وتربّص في البحث عنه؛ لأن الحواس مصدر المعلومات.

2ــ التحسّس شمل يوسف وبنيامين مع أن يوسف مفقود وبنيامين محتجَز معروف مكانه؛ فيصلح معه التحسس للاطمئنان عليه دون أن يشعر بذلك أحد، لكن لماذا استُعمِل التحسس مع يوسف؟ للحثّ على البحث الجاد عنه بشكل غير مباشر حتى لا يصيبهم ولا يصيبه أذى، وكأن يعقوب يعلم مكان يوسف؛ ومن ثم فهذه الوصية تؤكد إحساس يعقوب بأن يوسف لا يزال حيًّا، وذلك نابع من إيمانه بصدق رؤيا يوسف أو أن الله أوحى إليه، أو أن ملك الموت أخبره بذلك، وهنا تساؤل: إذا كان يعقوب لديه إحساس بأن يوسف حيّ، فلماذا الحزن الشديد عليه؟ كان حزنه على فقده لا موته، والفقد أصعب من الموت، فالحزن على الميت ينتهي بعد مدة قصيرة، أما الحزن على المفقود فمرهون بمعرفة مصيره.

3ــ نلحظ أن يعقوب خص في الوصية يوسف وبنيامين ولم يذكر أخاهم الكبير، علما بأنه ذكره في دعائه {عسى الله أن يأتيني بهم جميعا} فلماذا؟ لأنه يعلم أنه باقٍ في مصر برغبته، إنما يوسف مفقود وبنيامين محتجَز.

4ــ نهاهم عن اليأس والقنوط؛ لأن الرجاء في رحمة الله أصل من أصول عقيدة المؤمن، واليأس من صفات الكافرين، وعدم اعتراض الأبناء على وصية أبيهم بالبحث عن يوسف يشير إلى إحساسهم بأن يوسف لا يزال حيا، فماذا صنعوا؟

للحديث بقية

زر الذهاب إلى الأعلى