الدين والحياة

د. علاء الحمزاوي يكتب قـــراءة تأملية في سورة يوسف ج(39)

بقلم/د. علاء إسماعيل الحمزاوي

 الرحلة الثالثة لإخوة يوسف إلى مصر

بعد أن أنصت إخوة يوسف لوصية أبيهم سافروا إلى مصر، وقالوا فيما بينهم: لو رقّ لنا العزيز نخبره بهدفنا، لكن القرآن لم يقص علينا ذلك، إنما نقل لنا حوارا بين يوسف وإخوته في قوله تعالى: {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ}، بدأوا كلامهم بحسن الاستهلال، فنادَوه بما يستحق {يا أيها العزيز}، ثم استعطفوه لترقيق قلبه عليهم، فقالوا له: {مسّنا وأهلنا الضر}، أي أصابنا جميعا الضعف الجسدي من كثرة الجوع بسبب الفقر، والضُّر بالضم هو ما يصيب البدن من مرض وغيره، والضَّر بالفتح مقابل النفع.

وهنا تساؤل: لماذا عدل الإخوة عن وصية أبيهم إلى الشكوى؟ لأنهم رأوا أن بنيامين لا يحتاج استعمال التحسس معه، إنما يحتاج إلى ترقيق قلب العزيز، فإذا رقّ قلبه ردّ لهم بنيامين، فيوفّرون جهدهم للبحث عن يوسف.

ثم قالوا: {وجئنا ببضاعة مزجاة}، البضاعة نقودهم، ومزجاة مدفوعة دفعا لعدم الرغبة فيها، والمقصود بها نقود قليلة لا تكفي لشراء الطعام أو نقود رديئة ليست منقوشة بصورة ملك مصر، فخافوا ألا يقبلها العزيز، ومع ذلك طلبوا منه إيفاء الكيل والتصدّق عليهم، فقالوا: {فأوفِ لنا الكيل وتصدّقْ علينا}، والمراد بالتصدق ردّ أخيهم إليهم، أو إعطاؤهم الطعام الكثير بالمال القليل، ولا يقال: (تصدّق علينا) إلا لمن يَرتجِي الثواب، ومن ثم فلا يجوز في الدعاء “اللهم تصدّقْ علينا”؛ لأن الله لا ينتظر الإثابة من أحد.

وهنا تساؤل: كيف تعاملوا بمنطلق إيماني مع ملك كافر من وجهة نظرهم؟

وهل يجوز التصدق على الأنبياء وأبنائهم؟

أما تعاملهم بمنطلق إيماني فلأن المؤمن لا يغيّر معتقده في تعامله مع الآخر، وأن الجزاء من جنس العمل خيرا أو شرا، وأن العزيز له رب يكافئ ويعاقب بصرف النظر عن طبيعته، وأما التصدّق على الأنبياء وأبنائهم فقيل: إن الصدقة على الأنبياء كانت جائزة قبل نبينا محمد.

ماذا كان ردّ يوسف عليهم؟ بكى ثم ذكّرهم بماضيهم الأسود، {قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ}، وهو استفهام مجازي غرضه تعظيم ما ارتكبوه في حق يوسف وبنيامين، ومقولة يوسف هذه تحقيق لقول الله له في الجب: {وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون}، فسألوه: {أإنك لأنت يوسف}؟ وفي قراءة أخبروه: {إنك لأنت يوسف}، فأجابهم أو أكّــد كلامهم قائلا: {أنا يوسف وهذا أخي} مع أنهم يعرفون بنيامين، لكنه قصَد من ذلك أن هذا هو بنيامين الذي ظلمتموه مثلي! ثم بيّن لهم فضل الله عليه وعلى أخيه، فقال: {قـد مـنّ الله علينا} أي أنعم علينا بالغنى بعد الفقر وبالعز بعد الذل وبالرفعة بعد الخفض، ثم قرّر قاعدة أساسية في الجزاء فقال: {إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين}، أي من يخشَ الله ويصبر على أذى الناس فهو محسن ولن يضيع أجره، وفي الآية إشارة إلى أن التقوى والصبر يؤديان إلى الإحسان، والمحسن أجره على الله

فماذا كان ردّ فعل الإخوة؟

للحديث بقية

زر الذهاب إلى الأعلى