الدين والحياة

د. علاء الحمزاوي يكتب قـــراءة تأملية في سورة يوسف ج(40)

بقلم/د. علاء إسماعيل الحمزاوي

الرحلة الثالثة لإخوة يوسف إلى مصر

لما كشف يوسف نفسه لإخوته استحيوا منه واعترفوا بفضله عليهم وجُرْمهم في حقه، {قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ}

ونلحظ أنهم قدّموا الأليق بيوسف وهو الفضل، وأخرّوا ما يسوؤه ويليق بهم وهو الجُرْم في حقه، وهذا درس في تعاملنا، فلما فعل الإخوة ذلك واصل يوسف فضله، فقال: {لا تثريب عليكم اليوم} أي لا لوم ولا عتاب، بل دعا لهم {يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين}، وهذا يدل على نقاء قلبه وتسامحه مع إخوته، وهذا درس لنا في العفو، وهذا الموقف يذكّرنا بما فعله أبوسفيان مع النبي لينال عفوه يوم فتح مكة، إذ يُروَى أن العباس عــمّ النبي علّم أباسفيان أن يقول أمام النبي: {لا تثريب عليكم اليوم} ليذكّره بموقف يوسف من إخوته، فتبسم النبي قائلا: “اذهب يا أبا سفيان، غفر الله لك ولمن علّمك”، ثم أعطاه مكانته الاجتماعية، فقال: من دخل بيت أبي سفيان فهو آمـن، وهذا درس في إعطاء الناس قدرهم.

ثم انتقل يوسف بعد ذلك إلى ما هو أهم، حيث طلب من إخوته أن يذهبوا بقميصه إلى أبيهم، فقال لهم: {اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ}، وأول ما نلحظه أن يوسف أمر إخوته أن يذهبوا بقميصه إلى أبيهم على عكس ما حدث فيما سبق؛ حيث أخذوا قميصه عنوة وألقوه في الجب، واسم الإشارة للتخصيص والتوكيد فلا يمكنهم تبديله أو التلاعب فيه، وقال: (أبي) ولم يقل: (أبيكم)؛ ليشير إلى الحنان الأبوي المحروم منه أكثر من أربعين سنة، ليدرك المرء أن تمتّعه بحنان أبويه نعمة من الله

لكن ماذا قصد يوسف من إرسال القميص؟

قصد أمرين:

الأول: أن يكون علامة على صدق إخوته عند أبيهم بأن يوسف لا يزال حيّا، وأنهم التقوه؛ لأنهم لم يصبحوا محل صدق وثقة لدى أبيهم بعد ما فعلوه بيوسف

والثاني: أن يكون القميص سببا في ردّ بصر يعقوب إليه، ولذلك قال: {يأتِ بصيرا}، والفعل {يأتِ} برجوع بصره، وفي ذات الوقت يحمل دعوة ملكية له لزيارة مصر.

لكن من كرم العزيز أنه لم يقصر دعوته على أبيه فقط، بل وجهها لأهله وأهل إخوته جميعا، فقال لهم: {وأتوني بأهلكم أجمعين}، لكن لماذا قال {أهلكم} ولم يقل: (أهلي)؟ لأن أهله أقل كثيرا من أهلهم، فكل أخ متزوج أهل زوجته هم أهل له فضلا عن أهله هو، والتعبير يشير إلى مدى حرص يوسف على صلة جميع الأهل والبــرّ بهم، وكانوا أكثر من سبعين رجلا وامرأة؛ ليعطينا درسا قويا في صلة الرحم بشكل موسّع، واللافت أن الذي حمل القميص إلى أبيهم أخوهم الذي حمله أول مرة، أراد بذلك أن يكون بشيرا كما كان نذيرا، إذ قال ليوسف: أيها العزيز أنا الذي حملت القميص إلى أبي بدم كذب؛ فكان سببا في فقد بصره، فدعني أحمله في ردّ بصره إليه، فتمحو هذه تلك، وهذا التصرف يذكّرنا بقوله تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات}

وقول النبي: “وأتبع السيئة الحسنة تمحها”، وفسّر بعض المعاصرين تأثير القميص على بصر يعقوب بأن به رائحة عرق يوسف، وهي السبب في شفاء يعقوب، وهو اجتهاد طيب، لكن لا دليل على صحته، فيبقى أن ذلك معجزة ليوسف

فيا ترى ماذا حدث بعد ذلك؟

للحديث بقية

زر الذهاب إلى الأعلى