الدين والحياة

د. علاء الحمزاوي يكتب قـــراءة تأملية في سورة يوسف ج(41)

بقلم/د. علاء إسماعيل الحمزاوي

الرحلة الرابعة والأخيرة لإخوة يوسف إلى مصر

وجّــه يوسف دعوة ملكية لأبيه وأهله جميعا لحضورهم إلى مصر، وقد حمل الدعوة إخوته ومعهم البشارة إلى أبيهم، وقد سجلها القرآن في قوله تعالى: {اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ}، أعطى يوسف إخوته قميصه ليلقوه على وجه أبيه

وفي ذلك فائدتان:

الأولى أن القميص علامة على صدق إخوته بأن يوسف لا يزال حيّا وهو عزيز مصر

والثانية أن يكون القميص سببا في شفاء يعقوب كما كان سببا في فقد بصره.

بمجرد أن تجاوز إخوته حدود مصر إلى فلسطين أحسّ يعقوب ببشارة يوسف فحدّث بها لمن معه من أهله، قال تعالى مصورا ذلك: {وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ}

أي إني أشم رائحة يوسف، وعبر عن الشم بالوجود للدلالة على أن رائحة يوسف كانت غائبة فعادت، وهو يعرفها جيدا، والإحساس بالشيء من بعيد أمر خارق للعادة، فهو من معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء، ولذلك جاء في الحديث المرفوع عن النبي أنه قال: “اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله”، وقال أيضا: “إن لله عبادا يعرفون الناس بالتوسم” أي بالفراسة، ثم تلا {إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ}، وقد ظهرت هذه الفراسة عند عمر بن الخطاب حينما كان يخطب على المنبر في المدينة، ورأى جيش سارية الذي يقاتل الروم خارج المدينة يحيط به العدو، فقال: يا ساريةُ الجبلَ الجبلَ، أي الزم الجبل، فلما قدم رسول الجيش قال: يا أمير المؤمنين لقينا عدونا فهزَمَنا، فإذا بصائح يصيح يشبه صوتك: يا ساريةُ الجبلَ الجبل، فأسندنا ظهورنا للجبل، فهزمناهم بإذن الله.

كان شمّ رائحة يوسف معجزة ليعقوب، ولذلك قال لهم: {لولا أن تفنّدون} أي لولا أن تكذبوني وتنسبوني إلى التخريف لتحققتم من صدقي، فردّوا {تالله إنك لفي ضلالك القديم}، أقسموا أنه مازال في شقائه بسبب حبه ليوسف الذي أعمى بصره وأضعف جسمه وأذهب قوته؛ لأن يوسف في نظرهم مات من زمن طويل!

وهذا الموقف منهم يثير الدهشة والاستغراب؛ لأنهم يعرفون أن يعقوب نبي وأن إحساسه بالأمور يفوق التصور العقلي لها، فكان ينبغي عليهم أن يصدقوه ولو مؤقتا ليشاركوه مواساته في المصيبة، ويبعثوا فيه الأمل بعودة يوسف، إنما أخذوا موقفا مضادا يزرع في قلبه اليأس، وهو سلوك لا يليق بالمؤمن ولا ينبغي أن يقع منه، وفي ذلك درس لنا

وللحديث بقية

زر الذهاب إلى الأعلى