الدين والحياة

د. علاء الحمزاوي يكتب قـــراءة تأملية في سورة يوسف ج(42)

بقلم/د. علاء إسماعيل الحمزاوي

الرحلة الرابعة والأخيرة لإخوة يوسف إلى مصر

شعر يعقوب برائحة يوسف فأخبره من معه من الأهل فكذّبوه، واتهموه بالضلال، فصدّق الله إحساس يعقوب، فما هي إلا أيام وتأتي البشارة {فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا}، والتعبير {جاء البشير} مع كثرة إخوة يوسف يؤكد لنا مدى حرص أخيهم الكبير في الوصول قبلهم إلى أبيهم ليبشّره بالبشرى العظيمة، وقد أراد أخوهم من ذلك أن يكفّر عن سيئاته مع أبيه وأخيه، فلما ألقى القميص على وجه أبيه ردّ الله بصره، وفسّر بعض المعاصرين تأثير القميص على بصر يعقوب بأن فيه رائحة عَرَقِ يوسف، وهي السبب في شفاء يعقوب، وهو اجتهاد طيب، لكن لا دليل يؤكده، فيبقى أن ذلك معجزة ليوسف.

ولم يُلقِ يعقوب باللوم على أبنائه، بل التمس لهم العذر؛ لأن إحساسه بيوسف نابع من النبوة، حيث {قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}، ثم سأل البشير: كيف يوسف؟ فقال: هو ملك مصر، فقال: على أي دين تركته؟ فقال: هو على دين الإسلام، قال: الحمد لله، الآن تمت النعمة، وسؤاله ليس شكًّا في يوسف، بل كان خوفا عليه من الفتنة.

هنا أخذ أبناؤه يعتذرون إليه، {قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ}، وكلمة {ذنوب} تدل على كثرة أخطائهم في حق أبيهم وأخيهم، فأجابهم بقلب متسامح: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، وانظروا إلى الفرق بين موقف يعقوب من أبنائه وموقف يوسف منهم عقب اعتذارهم إليهما، فمع يوسف {قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}، ومع يعقوب: {قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي}، فهم لم يطلبوا من يوسف الاستغفار، ولذلك جاء تعبير الاعتذار بـ(إنْ) المخففة، ومع ذلك دعا لهم بالمغفرة في الحال، في حين كان الاستغفار هو رجاءهم من أبيهم، فجاء تعبير الاعتذار بـ(إنّ) المشددة المؤكدة

فوعدهم بذلك مستقبلا، لماذا؟

لأن متطلبات البِرّ للأب أعلى كثيرا من متطلبات البِـرّ للأخ، فبـرُّ الابن لأبيه واجب عليه مهما كلّفه، ولذلك ربط الله رضاه برضا الأب، فقال تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا}، فصارت حقوق الأب على الابن من حقوق الله، وكفى بهم إثما أن كذبوا على أبيهم وتمادوا وأصروا على الكذب أكثر من أربعين سنة، ولم يؤثر فيهم ما أصاب يعقوب بسبب تلك الكذبة، فكان إثمهم في حق يعقوب أكثر من إثمهم في حق يوسف.

لكن ما هو المستقبل بالنسبة لاستغفار يعقوب لأبنائه؟

قيل: بعد الصلاة، وقيل: إنه أخّر الاستغفار إلى وقت السَحَر؛ حيث ينزل الله إلى السماء الدنيا ليجيب من دعاه، وقيل: أخره إلى ليلة الجمعة؛ لأن أبواب السماء تفتح في تلك الليلة، فيستجيب الله لمن دعاه، وكان استغفار يعقوب أن قال: “اللهم اغفر جزعي على يوسف وقلة صبري عليه، واغفر لأولادي ما فعلوه في حقـه”، فأوحى الله إليه “قد غفرت لك ولهم أجمعين”، فماذا حدث بعد ذلك؟

للحديث بقية

زر الذهاب إلى الأعلى