الدين والحياة

د. علاء الحمزاوي يكتب قـــراءة تأملية في سورة يوسف ج(43)

بقلم/د. علاء إسماعيل الحمزاوي

 الرحلة الرابعة والأخيرة لإخوة يوسف إلى مصر

بعد أن اعتذر إخوة يوسف لأبيهم وقبل أبوهم اعتذارهم توجّهوا جميعا إلى مصر تلبية للدعوة الكريمة من العزيز، وكانوا أكثر من سبعين رجلا وامرأة، فكيف استقبلت مصرنا مصر الخير والكرم والأمن بني إسرائيل؟

استقبلتهم أحسن استقبال، حيث خرج الملك بنفسه مع يوسف في موكب عظيم ضم أربعة آلاف من الجند وكبار القوم لاستقبال يعقوب وأهله خارج المدينة، وكان يعقوب يمشي متوكئا على ابنه يهوذا، فنظر إلى الموكب، فقال: يا بُنيّ هذا مَلِك مصر؟ فقال: هذا ولدك يوسف!

ثم التقى يوسف أباه فتعانقا وتبادلا السلام والتحية، ثم عانق خالته، حيث ماتت أمـّـه، فتزوج أبوه خالته، وهو الأرجح؛ لأن القرآن لم يشر إلى موقف الأم مما حدث ليوسف، ومستحيل أن تكون أمّه على قيد الحياة وليس لها موقف مشابه لموقف أبيه، ومستحيل أن يكون لها موقف والقرآن يغفله!!

من هنا رجّحنا أن يعقوب تزوج خالة يوسف بعد موت أمه، والخالة أمّ، وسجل القرآن مشهد لقائهم في قوله تعالى: {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ}، أي دخلوا الأراضي المصرية، والتعبير يوحي برفعة يوسف، وحينما دخلوا ضم أباه وخالته إليه، ثم قال لهم جميعا: {ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ}، أول ما يلفت النظر تقديم المشيئة، فذلك يشير إلى إيمان يوسف بالله رب العالمين؛ ليطمئن أباه بأنه على دين آبائه، وتقديم المشيئة درس لنا، ففي كل أعمالنا ينبغي أن نقدم المشيئة، والمراد بالدخول الإقامة بمصر

أي أقيموا بمصر آمنين، لكن آمنين مِن مَن؟

قيل: من ملوك الهكسوس الجبابرة حُكّام مصر أو آمنين من القحط والجدب، أو آمنين من الظروف القاسية التي مروا بها في فلسطين، ولا مانع من الجمع بينها، ثم رجع الموكب بيعقوب وأهله إلى القصر الملكي، فأجلس يوسف أباه وخالته على كرسي الملك، وهو قوله تعالى: {ورفع أبويه على العرش}، وهذا التعبير يشير إلى أن يوسف كان هو المتصرف في شؤون الدولة المصرية؛ لأن العرش خاص بالملك، ولا يستطيع العزيز (الوزير الأول) ولا غيره أن يستخدم العرش الملكي، لكن يوسف فعل ذلك؛ لأن الملك خوّل له سلطاته ومنحه خاتمه؛ لإيمانه به وثقته فيه، فكان يوسف هو الملك الفعلي، وهذا ما جعل أهله ينعتونه بالملك.

بعد مراسم الاستقبال والحفاوة ببني إسرائيل شكروا يوسف و{خرّوا له سجّدا}، وتوقف العلماء عند سجود يعقوب ليوسف، فكلاهما نبي، فكيف يسجد الأب للابن وهو أحق بالطاعة؟

للحديث بقية

زر الذهاب إلى الأعلى