الدين والحياة

د. علاء الحمزاوي يكتب قـــراءة تأملية في سورة يوسف ج(44)

بقلم/د. علاء إسماعيل الحمزاوي

 الرحلة الرابعة والأخيرة لإخوة يوسف إلى مصر

بعد مراسم الاستقبال والحفاوة ببني إسرائيل شكروا يوسف و{خرّوا له سجّدا}، وتوقف العلماء عند سجود يعقوب ليوسف، فكلاهما نبي، فكيف يسجد الأب للابن وهو أحق بالطاعة؟

وتفسير ذلك أن السجود نوعان:

سجود عبادة ولا يكون إلا لله في جميع الشرائع السماوية

وسجود تحية وتكريم كسجود الملائكة لآدم، وهم أفضل منه، ومنه سجود يعقوب لابنه، فهو تحية ليوسف وشكر لله

وكان هذا جائزا في الشرائع السابقة، ثم نُسِخ في الإسلام، فلا يجوز السجود مطلقا لغير لله الواحد الأحد، وقيل: إن يعقوب قَصَدَ السجود ليوسف؛ حتى يأتمّ به إخوته وأهله؛ فيسجدوا له إظهارا للتواضع؛ فينزع الله ما في قلوبهم من زيغ الشيطان

وقيل: سجود يعقوب كان سجودا لله أمام يوسف، فصار إسناد السجود ليوسف مجازا لا حقيقة، كالذي يصلي أمام الكعبة، فيقال: صلى للكعبة أي متوجها للكعبة

وقيل: إن يعقوب لم يسجد ليوسف، وإنما سجد إخوته وأهله، إلا أن هذا يتعارض مع الرؤيا، ورؤيا الأنبياء حق، بدليل أن إبراهيم لما رأى في المنام أن يذبح ابنه صار ذلك واجبا عليه، فيبقى أن التفسير الأول هو الأرجح؛ ويعضده تعبير {خــرّوا له} ويقويه.

بعد أن انتهى مشهد لقاء يوسف بأبيه وأهله أعلن يوسف عن فضل الله عليه، فقال: {يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي}

والمتأمل للنص يوقن أن رؤيا الأنبياء حق، ويلاحظ أن يوسف نسب الخير إلى الله في حين نسب الشر إلى الشيطان، وهذا نهج المؤمن، ويلاحظ المتأمل أن يوسف ذكر فضل الله عليه في إخراجه من السجن

ولم يذكر فضله عليه في نجاته من الجُبّ، مع أن مصيبة الجُبّ أصعب من مصيبة السجن، فلماذا صنع يوسف ذلك؟

صنع ذلك مراعاة لمشاعر إخوته، وهذا ذكاء منه؛ لأنه لو ذكّرهم بالجُبّ لأحسوا أن في قلبه شيئا منهم، وهو لم يكن كذلك؛ لأنه قال لهم: {لا تثريب عليكم اليوم}، فضلا عن أن نعمة الخروج من الجُبّ قد ترتّب عليها عبودية وفتنة وسجن

أما نعمة الخروج من السجن فقد ترتب عليها المُلك؛ حيث صار يوسف عزيز مصر، بل إن أحداث الماضي السيئة التي وقعت من إخوته تجاهه أسندها يوسف للشيطان، واعتبرها خلافا لا كراهية، وهنا درس لنا في التغافل عن الإساءة وطلب الغفران للمسيء

كذلك اعتبر يوسف انتقال أهله من البداوة إلى الحضارة إحسانا من الله إليهم، وفي هذا إشارة إلى أن بلاد الشام والعرب بلاد بداوة، وأن مصر بلد حضارة على مدار التاريخ، وهذه ميزة ميّز الله بها المصريين، وتعبير يوسف فيه امتداح لمصر الحضارة وذم للبدو والبداوة

وللحديث بقية

زر الذهاب إلى الأعلى