الدين والحياة

د. علاء الحمزاوي يكتب قـــراءة تأملية في سورة يوسف ج(45)

بقلم/د. علاء إسماعيل الحمزاوي

 الرحلة الرابعة والأخيرة لإخوة يوسف إلى مصر

بعد انتهاء مراسم الاستقبال والاحتفال والسجود أخذ يوسف أباه وطاف به في خزائن مصر، ثم توجه إلى الله بالدعاء {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}

وأول ما يلفت النظر استحباب بدء الدعاء بذكر نعم الله على العبد، فالثناء على الله مقدم على الدعاء، ولذلك جاء في الحديث “من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين”، وفي هذا الثناء إقرار بفضل الله عليه، ثم دعا يوسف الله أن يتوفاه مسلما، وهو أول من دعا بهذا الدعاء في تاريخ البشرية.

قال العلماء: عاش يعقوب مع يوسف بمصر بضعا وعشرين سنة ثم عاش يوسف بعده بضعا وعشرين سنة و(البضع من ثلاثة : عشرة)، ثم مات، وقد تزوج زليخا وأنجب منها ولدين، ويقال: إن امرأة أيوب هي حفيدة يوسف، وأن يوشع فتى موسى هو حفيد أفريم بن يوسف.

وذكر العلماء أن يوسف كان محبوبا من المصريين إلى حد أنهم تخاصموا في محل دفنه، كل أسرة تريد أن تدفنه في مدافنها، ثم اتفقوا أن يضعوه في صندوق ويلقوه في النيل؛ لتحلّ بركته على النيل، وحينما يرسو الصندوق يُدفَن في أقرب مكان له، وقد تم ذلك بالفعل إلى أن جاء موسى، وأخرج رُفاتَه وأخذه إلى قبر أبيه وجده في فلسطين، ويُستنبَط من هذا جواز نقل الموتى حال الضرورة، ومن ناحية أخرى انظروا إلى مدى كرم المصريين، فقد استضافوا بني إسرائيل أكثر من ثلاثمائة سنة، منذ استضافة العزيز لهم حتى خروجهم في معية نبي الله موسى هربا من فرعون، فما أكرم المصريين! وأعظمْ بالكرم المصري الفائق!

إلى هنا تنتهي قصة يوسف، وقد استغرقت أحداثها تسعا وتسعين آيــة، ثم انتقل القرآن إلى بيان فلسفة عرض قصة يوسف، فتوجّه بالخطاب إلى نبينا محمد في بيان لإظهار معجزته من خلال معرفته التامة بقصة يوسف، فقال تعالى له: {ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ}، أي ما قصصناه عليك من شأن يوسف وإخوته هو من أخبار الغيب بالنسبة لك؛ إذ لم تكن أنت مع إخوته حينما دبروا ليوسف السوء، وكونك تعلمه الآن يؤكد أنك نبي حقا يُوحَى إليك، فضلا عن ذلك فإن قصة يوسف تلهم النبي دروسا كثيرة أهمها نفاذ قدر الله مهما كانت الصعاب، والصبر على تحمل الأذى حتى تحقيق الهدف، وقد حرص القرآن على تحقيق أمرين في خطابه للنبي بقية الآيات، فما هما؟

للحديث بقية

زر الذهاب إلى الأعلى