الدين والحياة

لقاء الجمعة “دين الانسانية”

كتب/أ. د:علاء حمزاوي

 

ــ كثيرا ما نسمع عبارة “خليك إنسان” أو “خلي عندك إنسانية”، فماذا تعني؟ تعني أن الإنسان يجب أن يتمتع بمجموعة من القيم الإيجابية النبيلة التي يرتضيها الناس فيما بينهم، وهي قيم تميز الإنسان عن غيره من المخلوقات وتجعله الأفضل؛ ولذلك نظر الإسلام للإنسان نظرة تكريم وتفضيل، قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}، و{لَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ .. وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}، ولم تقتصر عناية الإسلام بالإنسان في حياته فحسب، بل كرّمه بعد موته؛ ففي الحديث “لا تسبوا الأموات؛ فإنهم أفضوا إلى ما قدّموا”، ووقف النبي لجنازة يهودي مرت به تكريما لإنسانيته، ومن هنا كانت عالمية الإسلام.

ــ كما اعتنى الإسلام بالقيم الإنسانية السامية، فوصف الله النبي بأنه على خُلُق عظيم، وقد بعثه ليتمم به مكارم الأخلاق، وهذا يعني أن القيم الإنسانية قيم سماوية حملها جميع الأنبياء إلى أقوامهم.

– ومن تلك القيم قيمة “الأمـــــل”، وهو توقع حدوث الخير ثقة فيمن يُرجَى منه الخير، وهو ضد اليأس والقنوط، ولا يكون الإنسان إنسانا بدون أمل، فهو أحد متطلبات استمرار الحياة وعمارة الأرض؛ لأنه قوة تدفع للعمل وخلق دواعي الكفاح وتبعث النشاط في الروح والبدن، فما الذي يدفع الزارع إلى الجهد إلا أمله في الحصاد؟ وما الذي يبعث الطالب على الجد والمثابرة إلا الأمل في النجاح؟ وما الذي يصبّر المريض على الدواء إلا الأمل في الشفاء؟ لكن الأمل يتطلب إيمانا بالله وثقة في المأمول، فالمؤمن مأمور بأن يملأ قلبه بالأمل والثقة في تحقيق ما يأمل.

– والأمل مطلوب في كل شيء، وأعلاه الأمــل في الله، في رحمته وعفوه وكرمه وحفظه واستجابة دعائنا وتحقيق ما نرجو ونحب من خيري الدنيا والآخرة، وقد حثنا ربنا على أن نملأ قلوبنا بالأمل وألا نيأس ولا نقنط، فقال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ}، وأمرت الملائكة إبراهيم أن يملأ قلبه بالأمل، فقالوا له: {بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ}، فقال مؤمنا: {وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ}، وأمر سيدنا يعقوب أبناءه بالأمــل وعدم اليأس، فقال لهم: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}، ونفهم من الآية أن الأمل من صفات المؤمنين، وأن اليأس من صفات الكافرين، وهذا ما أكده القرآن في قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ. وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ. إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}، ويسعفنا التركيب اللغوي للآية في معرفة أن المؤمنين أصحاب الأمــل قلة في البشر وأن القانطين اليائسين كثرة فيهم؛ لأن المستثنى أقل من المستثنى منه.

– تحمّل النبي ما لم يتحمله أحد من المصاعب والمصائب أمــلا في أن ينصره الله وقد كان، وحث النبي على غرس الأمل في نفوس صحابته، فقال: “بشروا ولا تنفروا”، وقال: “لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل»، أي الأمل؛ إذ المؤمن يؤمِّل الخير، ويتوقع من ربه الإحسان، فإنْ كان في شدة يؤمل أن ترتفع، وإن كان في نعمة فأمله أن تُسخَر للخير، هذا الأمل كان النبي يملأ به قلبه، ويملأ به قلوب أصحابه.

ــ ولا يتعارض الأمــل مع الأخذ بالأسباب، بل هما مقترنان، فالطالب لا ينفعه الأمل بدون مذاكرة، بل يدفعه إليها، والمريض لا يشفى بالأمل دون الدواء، وإصلاح المجتمع لا يتم بالأمل دون العمل، وهذا ما ينبغي أن يكون في جائحة كورونا، فالأمل في إزالة الغمة موجود لكنه مقرون بالإجراءات الاحترازية التي فرضتها الدولة للصالح العام، فهي الأسباب التي يجب الأخذ بها، فازرعوا الأمل في قلوبكم واغرسوه في نفوسكم تحصدوا بفضل الله ما تأملون إذا أخذتم بأسبابه.

– نذكركم بفضل صيام عاشوراء، فهو يوم محرم في شهر محرم العمل الصالح فيه مضاعف الأجر ، وهو يكفر ذنوب عام سابق بفضل الله

زر الذهاب إلى الأعلى