الدين والحياة

د. علاء حمزاوي يكتب “القيم الإنسانية” من لقاء الجمعة

كتب/أ. د علاء حمزاوي

 

سألني سائل عن الصلة بين “إنسان”و”إنسانية”، الإنسان في المعجم العربي مأخوذ من النسيان؛ لأن الله عهد إلى آدم فنسي، أي أمره ألا يأكل من الشجرة فنسي ولم يحفظ العهد ولم يصبر عليه، وهو معنى “ولم نجد له عزما”، والنسيان رحمة من الله عامة وخاصة، عامة للبشر أن ينسوا أسباب الحزن والهم، فلو لم ينسوا لماتوا كمدا، ورحمة خاصة بالمؤمنين بأن الله رفع عنهم أي خطأ أو تقصير بسبب النسيان، أو مأخوذ من الإيناس بمعنى الإبصار وهو رؤية بالعين ومنه”إني آنست نارا”، ورؤية بالعلم ومنه “فمن أبصر فلنفسه” ، أو من الأنس والاستئناس، فالإنسان يؤنس غيره ويأنس به، والمعاني الثلاثة طيبة.

والإنسان يحمل في داخله جملة من الصفات أو القيم الإيجابية والسلبية، والقرآن حينما ذكر الإنسان متبوعا بصفة ما كانت تلك الصفة سلبية، فوصفه بأنه ضعيف يؤوس كفور قنوط كادح كنود ظلوم جهول جزوع، وحرص القرآن على معالجة القيم السلبية بالحث على التحلي بالقيم الإيجابية التي تميز الإنسان عن بقية المخلوقات، و”الإنسانية” مذهب فلسفي يُعنَى بتقدير العقل مع الحرية المطلقة للفكر، والإيمان بالعلم والحث على السِلْم، مع تنحية الدين جانبا.

و حرصت منظمة حقوق الإنسان على تحقيق مفهوم “الإنسانية” للأفراد والمجتمعات، فجاء ميثاقها ينص على بعض القيم، منها أن “لكل إنسان الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصيته”، و”يولد الناس أحرارا متساوين في الكرامة والحقوق”.

أما الإسلام فقد اعتنى بالقيم الإنسانية؛ لأنها قيم سماوية حملها جميع الأنبياء إلى أقوامهم، ومنها قيمة “الحياة” فالحفاظ على حياة الإنسان حـق لكل إنسان، فلا يجوز الاعتداء عليه خارج إطار القانون، مهما كان دينه ونوعه وجنسيته، فالبشر متساوون في هذا الحق، وجعل الإسلام الاعتداء علي إنسان واحد اعتداء علي المجتمع، فــ{من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا}، وحق الحياة مكفول بالنهي عن إهلاك النفس وعدم الاعتداء على الآخر ومشروعية القصاص، قال تعالى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}، {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ}، {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}.

و من القيم العظيمة في الإسلام قيمة “الحـريــة”، فالحرية الشخصية صفة طبيعية أساسية لكل إنسان منذ ولادته حتى مماته، هــو حــر في تصرفاته قولا وفعلا كيفما يشاء، ولا يجوز منعه من ذلك، ولعل المقولة المنسوبة لعمر بن الخطاب “متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا”، تؤكد هذه الحرية، لكنها حرية مقيدة باحترام الآخرين وعدم مساسهم بسوء، فالإنسان حـــر ما لم يضـر، أي إذا تجاوزت الحرية الشخصية إلى حدود الآخرين صارت فوضى مرفوضة، وأبرز مظاهرها: 1ــ حرية المعتقد، فالإنسان حـــر في اعتناق دينه، ولا يُرغَم على اعتناق دين معين، وهو حـق مقدس في الإسلام أيا كان الدين، وهو مكفول بقوله تعالى: {لا إكراه في الدين}، لكن إذا اختار الإنسان الإسلام دينا، فلا يجوز له الارتداد؛ تقديرا وتقديسا لهذا الدين، ولأن الردة تحدث فتنة في المجتمع أشد من القتل، ومن حـق الإنسان أن يدافع عن دينه، وهو في الإسلام مكفول بالدفاع عنه بأغلى ما يملك الإنسان، قال تعالى: {وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}، 2ــ حرية الاختيار، وهي نابعة من قوله تعالى: {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها}، ولعلها هي الأمانة الواردة في قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}؛ وذلك لأن الثواب والعقاب مبني على حرية الاختيار، وإلا فلا قيمة للحساب.. وللحديث بقية.

زر الذهاب إلى الأعلى