الدين والحياة

لقاء الجمعة: القيم الإنسانية (3)  

كتب/أ. د:علاء حمزاوي

 

من القيم الإنسانية قيمة “المساواة”، حيث منحها الإسلام للجميع؛ لأنهم من أصل واحد، وهو آدم، فالجميع متساوون في الإنسانية ذكورا وإناثا، وقد أرسى النبي هذه القيمة بين الناس في قوله: “الناس سواسية كأسنان المشط، فلا فضل لعربي علي أعجمي، ولا لأبيض علي أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح”، ولعل مناسبة الحديث أن صحابيا طلب من آخـر أن يفسح له في مجلس النبي فلم يفعل، فعيّره بأمه، فقال النبي له: انظر في وجوه القوم، ماذا ترى؟ فقال: أرى أبيض وأحمر وأسود، فقال النبي: فإنك لا تفضلهم إلا في الدين والتقوى، فنزل في الجالس قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا}، ونزل في الواقف قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}، وأكرمكم أفضلكم، والخطاب يؤكد أنه لا فضل لإنسان على آخر إلا بالإيمان والعمل الصالح، فهما وجها التمييز والتفضيل بين الناس، وهو ما بينه النبي في قوله: “من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه”، فالذي لا يميزه عمله على غيره لا يميزه نسبه مهما كان عاليا، فإذا اجتمع العمل الصالح والنسب الشريف في إنسان كان أفضل من غيره، وهو ما ذكره النبي في قوله: “خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا” أي علموا دقائق أمور دينهم وعملوا بها.

والخطاب القرآني حافل بالآيات التي تحث على المساواة بين الناس، كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}، و{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، و{السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}، فهذا الخطاب مطلق في المساواة بين البشر رجالا ونساء في تبليغ الرسالة والتوجيه الإلهي والثواب والعقاب.

وهذه القيمة الإنسانية فعّلها النبي حينما استشفع رجل لامرأة من بني مخزوم ذات مكانة اجتماعية عالية في حــد السرقة، فغضب النبي قائلا: “أتشفع في حــد من حدود الله .. فوالله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”.

لكن هل المساواة محققة بين الرجل والمرأة في كل شيء ولاسيما في الميراث والشهادة؟ نـعــم المساواة محققة، لكن الأمر يحتاج إلى تأمل دقيق لحقوق وواجبات كل منهما وخصائصه التكوينية، فهناك تكليفات مشتركة، وتكليفات خاصة بكل منهما

فما هي فلسفة التشريع في توزيع الميراث والشهادة؟ للحديث بقية ..

زر الذهاب إلى الأعلى