الدين والحياة

لقاء الجمعة: القيم الإنسانية (4)

كتب/أ. د:علاء حمزاوي

 

ذكرنا أن من القيم الإنسانية قيمة “المساواة”، حيث منحها الإسلام للجميع؛ فهم متساوون في الإنسانية ذكورا وإناثا، لكن هل المساواة محققة بين الرجل والمرأة في كل شيء ولاسيما في الميراث والشهادة؟ نـعــم المساواة محققة، لكن الأمر يحتاج إلى تأمل دقيق للخصائص التكوينية “الفسيولوجية” وما ينتج عن ذلك من تكليفات، فهناك تكليفات مشتركة بينهما كأداء العبادات واجتناب المحرمات، وتكليفات خاصة بكل منهما كالإنفاق للرجل، والزوجة مكلفة بطاعة زوجها عدا معصية الله.

وتوزيع الميراث يتطلب رؤية شمولية لحالات التوزيع التي تتجاوز ثلاثين حالة تحكم نصيب المرأة مقارنة بالرجل في الميراث، ففي حالات ترث هي ولا يرث هو، وفي حالات تزيد عليه، وفي حالات تتساوى معه، وفي حالات تنقص عنه، فمثلا لو مات شخص وترك جـدا (والد أمه) وجــدة (والدة أمه) ترث جـدته فيه ولا يرث جــده، ولو مات شخص تاركا ابنا وبنتا وأبا وأما، فالأم تأخذ مثل الأب تماما لقوله تعالى: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَد} والبنت تأخذ نصف الولد لقوله تعالى: (للذكر مثل حظ الأنثيين).

وفلسفة توزيع الميراث قائمة على ثلاثة معايير: ١_درجة القرابة بين الوارث والمتوفّى، فكلما اقتربت الصلة زاد النصيب في الميراث، فلو مات شخص وترك ابنا وأخا فالابن يمنع الأخ الميراث، ولو مات شخص وترك ابنا وحفيدا فالابن يمنع الحفيد الميراث، غير أنه يأخذ الثلث بالوصية الواجبة حدا أقصى، ٢ــ موقع الجيل الوارث من التتابع الزمني للأجيال، فجيل يستقبل الحياة يرث أكثر من جيل يستدبر الحياة، فالابن يرث أكثر من الأب وكلاهما ذكر، ٣ــ العبء المالي الذي يوجبه الشرع على الوارث، وهو المعيار الذي يظهر فلسفة التفاوت بين الذكر والأنثى في قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْن}، فالابن متساوٍ مع البنت في درجة القرابة والجيل الوارث، لكنه استحق الضِّعف؛ لأنه مكلَّف بالإنفاق، وهي غير مكلَفة، وكونها ترث ولا تُكلَّف بالإنفاق يعطي لها ذمة مالية مستقلة، ليس من حق الزوج التصرف فيها إلا بإذنها، فما أرقى هذا التشريع!

أما الشهادة التي تظهر المفارقة بين الرجل والمرأة ففي قوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ}، والشهادة أحد طرق الإثبات والتوثيق، ولها عـدة أنواع: نوع لا تُقبَل الشهادة فيه إلا من امرأة ولو منفردة، وهي الشهادة الخاصة بالشأن النسائي كالرضاعة والولادة والبكارة، فتكفي شهادة الطبيبة أو القابلة وحدها، ونـوع لا تُقبَل فيه إلا شهادة الرجل، وهي الشهادة الخاصة بالقضايا الجنائية كالقتل حماية للمرأة من المشاكل الناشئة عن ذلك، ونـوع يسوّي بين المرأة والرجل في الشهادة، وهي شهادة اللعان التي تُطلَب في حال قذف الرجل زوجته مع عدم وجود شهود، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ}، ونوع يجعل شهادة المرأة نصف شهادة الرجل، وهي شهادة الأموال، وهي المقصودة في قوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ}، ولعلها أبرز مظاهر الشهادة لكثرة التعامل بالأموال بين الناس بيعا وشراء ودَينا وردًّا.

والشهادة ليست حقاً من حقوق المرء، بل هي واجب عليه وتكليف؛ لذا يحاول البعض التهرّب منها، فنهى الله عن ذلك قائلا: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}، وتحكمها ثلاثة معايير: العدالة، ونفي الخصومة مع أحد أطراف النزاع، والوعي التام للواقعة محل الشهادة، وهنا احتاط الشرع للمرأة من النسيان نتيجة ظروفها الخاصة بطبيعتها الأنثوية، فجعل شهادتها متممة ومؤكدة لشهادة امرأة أخرى، وجاء في الحديث “وأما نقصان عقلهن فشهادة امرأتين بشهادة رجل”، وقد أثبتت دراسات غربية حديثة أن نقص عقل المرأة عن الرجل بشكل عام مرجعه احتكامها إلى عاطفتها، وهي أقوى من عاطفة الرجل، وكلما تحكمت عاطفة المرأة فيها انتقص عقلها.

ومن ثم فعدم اعتماد شهادة المرأة في المسائل الجنائية أو امرأة واحدة في الخلافات المالية هو إعفاء لها من التكليف، ولا ينتهك ذلك من حقوقها، بل يرفع من شأنها؛ لأنه رفق بها، إذ إن إعفاءها يجنبها إساءة ومشاكل محتملة ناشئة عن الشهادة، فضلا عن صعوبة خروجها من بيتها ووقوفها أمام الناس للشهادة منفردة دون أخرى، فما أجمل هذا التشريع!!

زر الذهاب إلى الأعلى