الدين والحياة

لقاء الجمعة: القيم الإنسانية (6)

كتب_أ. د:علاء حمزاوي

من القيم الإنسانية في الإسلام “الاعتــدال”، فقد مدح الله به الأمة، قال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}، فالوسط هو العدل والاعتدال بين الإفراط والتفريط، والآية مدح لنا بأن سنكون شهداء على الأمم، وسيكون النبي شهيدا علينا يوم القيامة، وهو سمة صلاة العصر في آية {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ}، كما جاء الاعتدال صفة للطعام المطلوب لكفارة اليمين، (فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم).

الإسلام دين الاعتدال عقيدة وعبادة وسلوكا، فهناك عقائد مختلفة ما بين رفض الإله وتعدد الآلهة، فأما الإسلام فيدعو إلي إله واحد، وجاء بعد أمم مختلفة ما بين أمة أحبت الدنيا (المال) حبا جمّا وأمـة زهدت في الدنيا إلي حد الرهبانية المبتدعة، فجاء الإسلام يحث علي السعي للآخرة لأنها الغاية، مع الأخذ من الدنيا بالقدر الذي يعين المؤمن علي التعبّد وعمارة الأرض، قال تعالي: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}، هكذا كانت حياة النبي، حيث روي أن عَبْداللَّهِ بْن عَمْرٍو بن العاص تزَوَّجَ امْرَأَةً ذات مكانة عالية، لكنه قصّر في حقها بكثرة صيامه وقيامه، فشكته لأبيه فشكاه إلى النبي، فاستدعاه النَّبِيُّ، وسأله: أَتَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ قال: نعم، فقَال النبي: لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَمَسُّ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي”، ونهى النبي عن التكلف فقال: “هلك المتنطعون” أي المتكلّفون؛ لأن القرآن وصفه بقوله: {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ}؛ فالتكلف ظلم للنفس.

الاعتدال في الإسلام يظهر في عنايته بالجوهر والمظهر معا، ففي الحديث “إنَّ الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”، وفي الوقت ذاته يقول تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}، وكان الليث بن سعد فقيه مصر أحد أغنياء زمانه، ومع ذلك كان يحول عليه الحوْل فلا تجب عليه الزكاة لكثرة تصدّقه، كان عالما فقيها ورعا، ومع ذلك كان متنعما بماله عليه حتى إن الإمام مالك كتب له: “سمعنا أنك تلبس الرِّقاق وتأكل الرُّقاق وتمشي في الأسواق”، فـردّ الليث {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ}، فكان الرد شافيا.

الاعتدال هو منهج الإسلام في الدعوة والتعامل، قال تعالى: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} أي زاوجْ بين الترغيب والترهيب دون عنف؛ لأن كلا منهما منفردا لا يكفي لهداية الناس، ورحم الله معاوية حين قال: “لو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، لو شدوها أرخيتها، ولو أرخوها شددتها”.

الاعتدال هو منهج الإسلام في الإنفاق، فعباد الرحمن {الَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا} أي عدلا، فالإنفاق مطلوب علي وجه اللزوم، وإلا وقفت حركة الحياة، والاعتدال فيه هو ما أمرنا به ربنا؛ لأن فيه منفعة للفـرد والمجتمع، وأفضل الأعمال ما كان نافعا للفـرد والمجتمع، فالاعتدال يحقق ارتقاء ذاتيا واجتماعيا؛ لأن الإنسان باعتداله يدخر بعض ماله فيرتقي به، وينفق بعضه فتنمو حركة الحياة، فيحدث “ارتقاء اجتماعي”، لذلك حينما زوّج عبدالملك بن مروان ابنته لعمر ابن عبدالعزيز سأله: ما نفقتك يا عمر؟ فقال: حسنة بين سيئتين وتلا الآية، فاطمأن الخليفة على ابنته.

ولتحقيق الاعتدال نهى ربنا عن التطرف في الإمساك والإنفاق، فقال تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا}، {مغلولة} تعبير عن البخل الشديد، وهو مرفوض، و{كل البسط} تعبير عن التبذير، وهو مرفوض، قال تعالى: {ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين}، كما نهى ربنا عن الإسراف في الأكل والشرب، {كلوا واشربوا ولا تسرفوا}، و”ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فاعلاً، فثلثٌ لطعامه، وثلثٌ لشرابه، وثلثٌ لنفسه”، هذا هو الاعتدال في الإسلام، فأجمل به دينا!

زر الذهاب إلى الأعلى