الدين والحياة

لقاء الجمعة: القيم الإنسانية (7)

كتب_أ. د:علاء حمزاوي

من القيم الإنسانية في الإسلام قيمة “التراحم”، ومعناه أن يتراحم الناس فيما بينهم، أي يرحم بعضهم بعضا، ومفهوم الرحمة واسع يحمل معاني الرقة والرأفة والمغفرة والصلة والنعمة واللطف والعطف والخير والتسامح والعطاء، وبهذه المعاني المتعددة إسلامنا كله رحمة، استمد رحمته من الله والقــرآن والنبي، فالرحمة صفة ثابتة لله، فقد {كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ}، لكن لمن كتبها؟ كتبها لكل الخلق في الدنيا، فالبشر جميعا مؤمنهم وكافرهم ينالون في الدنيا رحمة الله، وبها يتراحمون فيما بينهم، يؤكد ذلك قول ربنا: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}، وقول النبي: “جعل الله الرحمة مائة جزء، أمسك عنده تسعة وتسعين جزءا ليوم القيامة، وأنزل جزءا في الأرض، به يتراحم الخلق، حتى إن الفرس لترفع حافرها، والناقة لترفع خُفّها مخافة أن تصيب ولدها”، أما في الآخرة فقد اختص الله برحمته المؤمنين، وفقا لقوله تعالى: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ}؛ ولذلك سمّى نفسه {الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ}، وهما صيغتا مبالغة تدلان على الكثرة والسعة، لكن {الرحمن} أبلغ من {الرحيم}، فالله رحمن بالبشر جميعا في الدنيا ورحيم بالمؤمنين في الآخرة؛ لذلك قال تعالى: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا}.

والقرآن الكريم رحمة، {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} فالرحمة هنا هي القرآن، ويكفي أن كل السور سوى التوبة بدأت بالبسملة المتضمنة للرحمة، بالإضافة إلى خطاب سليمان لبلقيس الذي بدأ بالبسملة، والنبي رحمة، فقد وصفه ربنا بقوله: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}، وهذه رحمة خاصة في مقابل رحمة عامة لكل الناس مدحه ربنا بها في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}، تلك الرحمة منعته من الدعاء على كفار قومه، بل دعا لهم قائلا: “اللهم اهــد قومي فإنهم لا يعلمون”.

من هنا حـث الإسلام على “التراحم”، فجاء في الحديث “لاَ يَرْحَمُ اللهُ مَنْ لاَ يَرْحَمُ النَّاسَ”، و”ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ”، وأقسم النبي فقال: “وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا يَضَعُ اللهُ رَحْمَتَهُ إِلا عَلَى رَحِيمٍ، قالوا: يا رسول الله كلنا يرحم، قال: لَيْسَ بِرَحْمَة أَحَدِكُمْ صَاحِبَهُ، يَرْحَمُ النَّاسَ كَافَّةً”، فالرحمة الحقيقية أن يرحم الإنسان كل من يحتاج إلى الرحمة، بل الرحمة واجبة للحيوان، فالرجل الذي سقى كلبا يهث عطشا شكر الله له فغفر له فدخل الجنة بسبب رحمة قلبه، في حين أن المرأة التي حبست قـطــة حتى ماتت جوعا وعطشا أدخلها الله النار لقسوة قلبها؛ ولذلك حذر النبي من قسوة القلب، فقال: “مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا عَبَثًا عَجَّ‏ ‏إِلَى اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (رفع صوته بالشكوى)، يَقُولُ: يَا رَبِّ، إِنَّ فُلاَنًا قَتَلَنِي عَبَثًا، وَلَمْ يَقْتُلْنِي لِمَنْفَعَةٍ”، سيقتص العصفور منه؛ لأن هناك عدالة إلهية مطلقة.

ومن هنا فالتراحم بين الناس واجب، وبين الأهل والأقارب أوجب؛ لأن صلة الرحم شرط لتمام الإيمان، وفقا لحديث “مَــن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ”، وكان النبي خير الواصلين أرحامهم، حتى قالت فيه السيدة خديجة “واللَّهِ لا يُخْزِيكَ اللَّهُ أبَدًا، إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ”، وإن الأخوّة بين المؤمنين تجعل بينهم صلة رحم، ففي الحديث “مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى”، وصلة الرحم تكون بتقديم المساعدة وإعطاء المال، وطلاقة الوجه والنصح والدعاء وزيارة المريض وإجابة الداعي، فتراحموا يرحمكم الله.

زر الذهاب إلى الأعلى