الدين والحياة

لقاء الجمعة: القيم الإنسانية (8)

كتب_أ. د:علاء حمزاوي

من القيم الإنسانية في الإسلام قيمة “الفــــرح”، وهو إحساس القلب بالرضا والبهجة والسعادة نتيجة حدوث شيء ما، وقد يترجم ذلك الإحساس إلى سلوك كالاحتفالات، والأصل أن الفرح مباح، وقد يكون محمودا أو مذموما (سنشرح ذلك لاحقا)، ومن الفرح المباح احتفالات الزواج والنجاح والفوز والميلاد، ومنه الاحتفال بالمولد النبوي ما لم يخالطه إثــم.

ومع أن الاحتفال بالمولد النبوي ليس سنة فإنه ليس بدعة منكرة يأثم عليها المحتفلون؛ لأن البدع المؤثّمة تكون في ثوابت الدين، إنما هو عادة اجتماعية طيبة تذكّر المسلمين برسول الله لعلهم يزدادون بها قـربا من الله وتثبيتا لقلوبهم، كما ثبّت ربنا قلب النبي بقصص الأنبياء، فقال له: “وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ”، ونحن أولى أن نثبّت قلوبنا بذكر سيرة نبينا.

ومن هنا فقد أجازه بعض العلماء، مستندين إلى أن النبي احتفل بمولده بصيامه يوم الإثنين، حيث سئل عنه فقال: ذاك يوم ولدت فيه، وفيه أنزل عليّ”؛ ومن ثَم بات صيام الإثنين سُنّة للمسلمين شكرا لله على مولد النبي، كما احتفل النبي بيوم عاشوراء تكريما لموسى، وتمثّل احتفاله في صيامه شكرا لله على نجاة موسى، بل إن أبا لهب احتفل بمولد نبينا الهادي! حيث أعتق الجارية التي بشرته بالخبر فرحا بقدوم محمد! ويقال: إن أبا لهب يُخفّف عنه العذاب كل يوم إثنين بسبب ذلك، لكن الخبر غير مؤكد.

في المقابل اعتمد المانعون للاحتفال على أن الصحابة لم يحتفلوا بالمولد النبوي وهـم خير الناس، ولو كان فيه خير لاحتفلوا؛ لأنهم كانوا أحرص على الخير منا، وكانوا أكثر حبًّا للنبي وأشد تعظيماً له منا، ومع تقديرنا لهذا الكلام فإن فيه أخذا وردًّا، فصحيح أن الصحابة هم خير الناس، وفقا لحديث “خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ”، لكن ورد أن النبي مَدَحَنا بأننا إخوانه، واشتاق إلى رؤيتنا، فقد صحّ أنه “خرج إلى القبور ذات يوم، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا، قَالُوا: أَوَ لَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ”، وسأل أبوعبيدة النبي: “هل أحد خير منا، وقد أسلمنا وجاهدنا معك؟ فقال: نعم، قوم يكونون من بعدكم، يؤمنون بي ولم يروني”.

وأهم ما يذكّرنا به المولد النبوي هو التمسّك بالسُّنّة النبوية؛ لأنها متممة للقرآن في أحكام الدين وتفصيلاته، تكفّل الله بحفظها؛ لأنها من الذكر في قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، حيث نطق بها النبي وحيا من السماء، ونُقلت إلينا بدقة شديدة عبر علم تفرّد به المسلمون هو علم “الجرح والتعديل” ويُسمّى علم “نقــد الرجال”، فلا يجوز أبدا الإساءة إلى السُّنة، فاحذروا “القرآنيين” الذين رفضوا السنة اكتفاء بالقرآن اعتمادا على فهمهم الخاطئ لقوله تعالى: {ما فرّطنا في الكتابِ من شيءٍ}، وغضّوا الطرف عن قوله تعالى: {وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}، وهم ما بين خبيث منافق وتابع جاهل، فلبئس ما يصنعون!

ختاما نؤكد أنه لا حَجْر على فكر ولا مصادرة لرأي إلا إذا خالف نقلا قاطع الدلالة، وإجماع العلماء حُجّة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، والاحتفال بالمولد النبوي يدخل تحت “الرحمة الواسعة” شريطة الاقتداء بهدي النبي.

زر الذهاب إلى الأعلى