الدين والحياة

لقاء الجمعة: القيم الإنسانية (9)

كتب_أ. د:علاء حمزاوي

تابع قيمة “الفــــرح”، والأصل في الفرح الإباحة، لكنه يتحول إلى فرح مذموم يبغضه الله أو فرح محمود يحبه الله، والفرح المذموم هو الفرح الذي يورث بطرا واستعلاءً وكفرا مثل فرح قارون، قال تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ}؛ لأن فرحهم مصحوب بكفر وكبر، وهو فرح الكفار، قال الله لهم: {ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ. ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ}، والمرح هو السلوك الباطل المترتب على الفرح.

ومن الفرح المذموم الفرح بما فيه معصية لله، كفرح المنافقين الذين قال الله فيهم: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرّ}، ومنه الفرح بنعم الله مع جحد الفضل لله، قال تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ. وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ}، فلم ينسب الفضل لله.

والفرح المحمود كالفرح بالنصر الحق {يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ}، والفرح بالطاعة “للصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ”، كما يفرح المؤمن بالثواب العظيم من الله عندما يُبشَّر به في حياته، فقد سأل رجل النبي: مَتَى السَّاعَةُ؟ فقَالَ: وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَال: لَا شَيءَ، إِلَّا أَنِّي أُحبُ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَقَال: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ، فقال أنس: ما فرحْنا بشيء فَرَحَنا بقول النبي: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ، فأنا أحب النبي وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل بمثل أعمالهم”، كما يفرح المؤمن إذا بُشِّر بالخلود في الجنان يوم القيامة، ففي الحديث “إِذَا صَارَ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ جِيءَ بِالْمَوْتِ حَتَّى يُجْعَلَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ يُذْبَحُ ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ: لَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ: لَا مَوْتَ، فَيَزْدَادُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ، وَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ حُزْنًا إِلَى حُزْنِهِمْ”.

وهناك فــرح محمود مطلوب، وهو الفـرح بفضل الله ورحمته، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}، والفضل والرحمة هما القرآن والنبي؛ لأنهما نور من الله ينير للمؤمنين طريق الحق، قال تعالى عن النبي: {قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}، هذا هو نبينا أعظم عظماء العالم بشهادة منصفي الغرب  نبينا الذي تكفل الله بالدفاع عنه فقال له: “إنا كفيناك المستهزئين”، أما القرآن فقال الله عنه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا}، هذا النور سيكون سببا في السعادة الأبدية للمؤمنين؛ ولذا فهما خير مما يجمعون من خير الدنيا، وقد أدرك الصحابة ذلك، فكانوا يحبون النبي أكثر من أنفسهم، وكانوا يفرحون بنزول القرآن، قال تعالى: {وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ}، وإن أرفع درجات القلوب فرحُها التام بما جاء به الرسول، وهذا الفرح مطلوب؛ لأنه يحفز المؤمن على مزيد من الذكر والشكر لله وحسن العبادة.

زر الذهاب إلى الأعلى