الدين والحياة

لقاء الجمعة: القيم الإنسانية (11)

كتب_أ. د:علاء حمزاوي

من القيم الإنسانية العظيمة في الإسلام قيـمة “الحياء”، وهو خلق عظيم يجمع بين الحشمة والتعفف والخجل والكرم والتقوى، وهو مشتق من الحياة، فالإنسان المنزوع منه الحياء إنسان ميت، والحياء صفة لله، ففي الحديث “إن الله حييٌّ كريمٌ يستحْيي إذا رفعَ الرجلُ إليه يديه أن يرُدَّهما صِفْرًا خائبتين”، وحياء الله حياء كرمٍ وبــرٍّ وجلال وتجاوز، ولا يتعارض الحياء مع الحق، قال تعالى: {إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ}.

والحياء صفة للأنبياء والصالحين، فكان النبي أشدّ حياءً من العذراء في خدرها “البكر في غرفتها” ، فإذا كره شيئا لا يتكلم به لحيائه، وإنما يظهر ذلك في وجهه، ومن مواقف حيائه أنه استحيي أن يسأل ربه التخفيف في الصلوات، “قال: سألت ربي حتى استحييت، ولكن أرضى وأسلم”، وكان الحياء صفة لآدم وحواء، لما أكلا من الشَّجرة انكشفت عورتهما، قال تعالى: {فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا}، فدفعهما حياؤهما إلى أن {طَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ} لكي يسترا العورة التي انكشفت بفعل ذنب، وهذا يدل على أن التقوى تستر العورة والمعصية تكشفها، فلا يلتقي الحياء مع المعصية، وكان الحياء صفة لموسى؛ ففي الحديث “كان موسى رجلاً حيياً ستيراً لا يُرى من جلده شيء”، وكان عثمان تستحي منه الملائكة، كما كان الحياء صفة لابنة الرجل الصالح التي جاءت إلى موسى {تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ}، فمشيها فيه استحياء؛ ولذا فالبنت البِكر أكثر حياء من المرأة الثيب في قبول الزواج، فالثيب تعرب عن نفسها، والبكر رضاها صمتها.

والحياء خير كله، ولا يأتي إلا بخير؛ لذا يحبه الله في عباده، ففي الحديث “إنَّ الله حييٌّ ستِّيرٌ يحبُّ الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر”؛ وذلك لأن الحياء يمنع صاحبه من فعل الرذائل ويحثه على الفضائل، ولذا حث الإسلام على التحلي به، فجاء في الحديث “استحيوا من الله حق الحياء، قالوا: يا رسول الله، إنا لنستحيي والحمد لله، قال: ليس ذلك، ولكن من استحيى من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيى من الله حق الحياء”.

عبارة “لا حياء في الدين” خطأ؛ لأن الحياء شعبة من الإيمان، إنما لا حرج في الدين أن يسأل المسلم عن أي شيء متعلق بأمر دينه أو دنياه لا يعرفه، هكذا كان الصحابة، فقد روي أن “امرأة قالت للنبي: يا رسول الله إنَّ الله لا يستحيي من الحقِّ، هل على المرأة غسلٌ إذا احتلمت؟ قال: نعم إذا رأت الماء” فلم يمنعها الحياء من التفقُّه في الدِّين، هناك خصوصيات عندما تُذكر قد يستحيي منها المتكلم والمستمع، لكن لا بُدَّ من تعلُّمها، فلا تبقى الأمة جاهلةً بحجة الحياء.

زر الذهاب إلى الأعلى