الدين والحياة

لقاء الجمعة: القيم الإنسانية (11)

كتب_أ. د :علاء حمزاوي

من القيم الإنسانية في الإسلام قيـمة “الصــدق”، وهو الإخبار عن الشيء بما يطابق الواقع نقيض الكذب؛ ولذا فالصدق أمانة، والكذب خيانة، وهو خلق عظيم حث الإسلام على التحلي به، “عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا”.

والصدق صفة لله، فالله صادق في كلامه إخبارا ووعدا ووعيدا، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾، والصدق صفة للأنبياء، ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾، ومدح الله إدريس بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾، ومدح إبراهيم وإسحق ويعقوب بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾، ومدح إسماعيل بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾، ووُصِف يوسف بالصدق فقيل له: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾، وكان النبي أصدق الناس، حتى في مزحه لا يمزح إلا صدقا، وشهدت بصدقه قريش فقالت: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا، ولذا وصف بالصادق الأمين، وذاع صدق أبي بكر حتى نعته النبي بالصدّيق.

وللصدق مراتب أعلاها الصدق مع الله في الإيمان، ففيه الخير كله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾، و﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، و﴿الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾، أما المنافقون ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾، وصدق الإيمان يقتضي أن يسعى العبد بالعمل الصالح إلى تحقيق لقاء الله بالرضا، ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا﴾، ومن صدق الإيمان مطابقة الظاهر للباطن قولا وفعلا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، والصدق مع الله يقتضي الصدق مع النفس؛ لأن الصادق مع نفسه صادق مع ربه، ومن الصدق مع النفس الشجاعة في الاعتراف بالحق.

ثم الصدق مع الناس، فهو ضرورة ملحة لإستقامة المجتمع؛ لأنه يبث الثقة بين الناس، فيأمن بعضهم بعضا، فيرقى بذلك المجتمع؛ ومن هنا فالصدق فضيلة نحتاج إليه في العلاقات الإنسانية والمعاملات التجارية وفي التربية وفي التعليم وكتابة التاريخ والتراث الحضاري علومه ومعارفه وثقافته، فما أقام الميلمون حضارة عظيمة إلا بالصدق مع الله ومع أنفسهم ومع الآخرين؛ لذا يجب أن نغرس فضيلة الصدق في نفوسنا ونفوس الصغار؛ حتى يشبّوا عليه، فيعتادوه في أقوالهم وأفعالهم.

ولنحذر الكذب حتى لو في المزح، يقول عَبْد اللَّهِ بْن عامِر: “دَعَتْنِي أُمِّي يَوْمًا، وَرَسُولُ اللَّهِ قَاعِدٌ فِي بَيْتِنَا، فَقَالَتْ: ها تَعَالَ أُعْطِيكَ، فَقَالَ لَهَا النبي: وَمَا أَرَدْتِ أَنْ تُعْطِيهِ؟ قَالَتْ: أُعْطِيهِ تَمْرًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ: أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِهِ شَيْئًا كُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَة”، والكذب يدمر المجتمع؛ لأنه يزعزع ثقتهم فيما بينهم، يقول النبي: “سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ، قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: الرَّجُلُ التَّافِهُ يتكلم فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ” أي في الشأن العام.

والصدق يضع صاحبه في مرتبة عليا، “سئل النبي: أَىُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ صَدُوقِ اللِّسَانِ، قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: هُوَ التَّقِىُّ النَّقِيُّ، لاَ إِثْمَ فِيهِ وَلاَ بَغْىَ وَلاَ غِلَّ وَلاَ حَسَدَ”، والخـمّ الكَنْس، ومخموم: مكنوس، فكأن القلب المخموم قلب نظيف مكنوس من الحسد والغل والإثم، وفي الحديث «اضْمَنُوا لِي سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنْ لَكُمْ الْجَنَّةَ: اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ، وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ، وَأَدُّوا إِذَا اؤْتُمِنْتُمْ، وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ، وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ”، وأمر الله عباده بملازمة أهل الصدق، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.

زر الذهاب إلى الأعلى