الدين والحياة

لقاء الجمعة: القيم الإنسانية (12)

كتب_أ. د:علاء حمزاوي

من القيم الإنسانية العظيمة قيـمة “الإخاء” أو”الأُخــوّة”، وفي معناها الضيق هي درجة من درجات القرابة، وهي توجب للمرء على أخيه حقوقًا وواجبات، لكن الأُخوّة في الإسلام لها معنى واسع، فلم تعد مختصة بقرابة الدم والنسب فقط، بل هي أُخوّة في الله، هدفها رضا الله وأن يكون المجتمع مترابطا متماسكا، وهذا المعنى نجده في حديث “اللهم ربَّنا وربَّ كلِّ شيءٍ، أنا شهيدٌ أن العبادَ كلَّهُم إخــوة”، فكلمة (عـبــاد) تحتمل معنيين: الأول: جميع الناس فكلهم عباد لله بالتسخير، وعليه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} أي عبيد لله لا يملكون التصرف خارج تقدير الله، والمعنى الآخر: المؤمنون بالله، فهم {عِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا}؛ وعلى ذلك فالأُخـوّة تحتمل معنيين مقبولين: الأول: أُخــوّة في الإنسانية للبشر جميعا مؤمنين وكافرين، ويعضده أن الله وصف بعض الرسل بأنهم إخوة لأقوامهم الكفار كقوله تعالى: {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا}، والثاني: أُخــوّة الإيمان، ومنه {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}، و”المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه” أي لا يلقيه للتهلكة، ومن أُخـوّة الإيمان التآخي بين المسلمين في المدينة نتيجة التآلف الذي أنعم الله به عليهم، {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا}، وتضمّن التآلف صفاء النية وسلامة القلب ثم المحبة، وبهذه الصفات تتحقق الأخـوّة.

وللأخـوّة ثمار كثيرة، فهي توجب للمؤمنين المتآخين الجنة؛ لأنها تآلف ومحبة، وقد أخبر النبي أن “حول العرش منابر من نور، عليها قوم لباسُهم نور ووجوههم نور، ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم النبيون والشهداء، قالوا: صِفهم لنا يا رسول الله، فقال: المتحابون في الله والمتجالسون في الله والمتزاورون في الله”.

ومن ثمار الأخـوّة المجاملة بين الناس كزيارة المريض، فــ”مَنْ عَادَ مَرِيضًا أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ فِي اللَّهِ نَادَاهُ مُنَادٍ أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ وَتَبَوَّأْتَ مِنْ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا”، واستجابة الدعوة، “إذا دُعي أحدكم فليجب، فإن كان صائماً فليصلِّ، وإن كان مفطراً فليَطعَم”، ومعنى (ليصلِّ) يدعو لأخيه، ومن ثمارها التكافل الاجتماعي وهو رعاية الأغنياء للفقراء طهارة للغني من الإثم وتنقية للفقير من الحقد، ومن ثمارها الإيثـار الذي كان من نتائج التآخي النبوي في المدينة وصفا للأنصار، فهم الذين ﴿يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِم خَصَاصَةٌ﴾.

من ثمار الأخـوّة أنها تقي الإنسان أمراضا كثيرة، ففي الحديث “إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا”، وشبه سوء الظن بأكذب الحديث؛ لأن كليهما مخالف للحقيقة، والتناجش الزيادة في السلعة، والتدابر التباعد خصاما؛ لذا شدد النبي على خطورة الخصام، فقال: “تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا”، وكل هذا يؤكد أن الأخــوّة قيمة إنسانية عظيمة تؤدي إلى تماسك المجتمع واستقامته وارتقائه.

زر الذهاب إلى الأعلى