الدين والحياة

لقاء الجمعة: القيم الإنسانية (13)

كتب_أ. د:علاء حمزاوي

من القيم الإنسانية العظيمة قيـمة “الاحترام”، وقد أصدرت منظمة اليونسكو بيانا بمجموعة قيم مشتركة بين الإنسانية كلها، فكانت قيمة الاحترام أولى تلك القيم، أما الإسلام فقد أوْلَى “الاحترام” عناية كبيرة بدءا من الحفاظ على حياة الإنسان، فجعل المساس به مساسا بالمجتمع كله، والحفاظ عليه حفاظا على المجتمع، فقال تعالى: {مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}، ورفع النبي من شأن قيمة الاحترام في المجتمع، فقال: “أنزلوا الناس منازلهم”، وقال لقوم سعد بن معاذ: “قوموا لسيدكم”، ولم يفرق الإسلام في ذلك بين المسلم وغيره، فدعا النبي ملك الروم إلى الإسلام، فقال في رسالته: “من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم”، أعطاه مكانته العالية، ووقف النبي لجنازة يهودي مرّت أمامه احتراما لإنسانيته.

واختص الإسلام الكبار بالاحترام، فربط بين الإيمان واحترامهم، فقال النبي: “ليسَ منَّا من لم يوقر كبيرنا”، ووصل الاحترام للكبير إلى حد أن ابن عمر وأباه وأبابكر وآخرين كانوا مع النبي، فقال لهم: أخبروني بشجرة مَثَلها مَثَل المسلم، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ولا تحُتُّ ورقها (تفرك)، يقول ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة، فكرهت أن أتكلم، وثَــمّ أبو بكر وعمر، فلما لم يتكلما قال النبي: هي النخلة..”

ثم جعل الإسلام احترام الصغير كاحترام الكبير؛ لأن احترامه يغرس فيه معاني الرجولة والثقة بنفسه، ويمنعه من ارتكاب الأخطاء، فاستأذن النبي صبيا في أن يقدّم الكبار عليه في الشُرب؛ حيث “أُتِيَ النبي بشراب فشرب منه، وعن يمينِه غلام، وعن يساره الأشياخ، فقال للغلامِ: أَتَأْذَنُ لي أن أُعْطِيَ هؤلاءِ؟ فقال الغلام: واللهِ يا رسولَ اللهِ، لا أُوثِرُ بنصيبي منك أحدًا، فتَلَّه رسولُ الله في يدِه”، أي وضعه في يده، وجاء رفض الغلام حرصا على التبرك بالشرب وراء النبي، وكان الصحابة يتبركون بكل شيء من رسول الله حتى عرقه.

ومن الإحترام ألا تؤذي مشاعر الآخرين بإحساسهم أنك الأفضل، دخل النبي على السيدة صفية فوجدها تبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقالت: حفصة قالت لي: إني بنت يهودي، فقال النبي: إنك لابنة نبي (هارون) وإن عمّك لنبي (موسى) وإنك لتحت نبي (محمد)، ففيمَ تفخر عليك؟! اتقي الله يا حفصة”، ومن الاحترام أن “لا يقيمُ الرَّجلُ الرَّجلَ من مجلسِه ثمَّ يجلسُ فيه”، ومن الاحترام حسن الاستماع له، {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ}، لذا قال تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ}.

وإذا كان الإحترام واجبا لكل الناس فإنه أوجب لثلاث فئات منهم، فيأثم المرء إذا أساء الأدب في حقهم: الفئة الأولى: الحكام فطاعتهم واجبة وإن منعوا الحقوق، قال تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ}، وفي الحديث “على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلاَّ أن يؤمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة”، والفئة الثانية: الآباء والأمهات فقد قال الله في حقهم: {فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا}، والفئة الثالثة: العلماء فقد فضلهم الله على غيرهم، فقال تعالى: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}، وجعلهم أهل خشيته ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾، ورفع قدرهم فقال: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، فاحترامهم من شعائر الله، ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾، إن احترام الحكام والعلماء والآباء والأمهات طاعة لله.

زر الذهاب إلى الأعلى