الدين والحياة

لقاء الجمعة: القيم الإنسانية (14)

كتب_أ. د:علاء حمزاوي

من القيم الإنسانية في الإسلام قيـمة “الـرفــق”، وهو اللين والمرونة واليسر في كل شيء ضد الشدة والعسر والغلظة والعنف، ولا يخلو جانب من جوانب الإسلام من الرفق، بل له نصيب أكبر في التشريع وفي العلاقات وفي المعاملات حتى مع الخصوم والأعداء؛ لأن “الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه”؛ فالرفق نعمة من نعم الله، فمن أعطاه الله الرفق فقد فاز بخير عظيم في الدنيا والآخرة، تصديقا لحديث “من أُعطِي حظه من الرفق فقد أُعطِي حظه من الخير، ومن حُــرِم حظه من الرفق فقد حُــرِم حظه من الخير”، لأن الرفق يضع لصاحبه القبول في الأرض.

لذلك امتنّ الله على رسوله بالرفق، فقال له: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}، فالرحمة تجلب الرفق، والرفق يجمع الناس بينما الغلظة والفظاظة تفرق الناس وتباعد بينهم، والناس بحاجة إلى قلب رحيم رفيق ذي رعاية تشملهم وبشاشة تجذبهم وودّ يسعهم وحِلم لا يضيق بجهلهم، فكان ذلك القلب قلب النبي مع الناس، حيث قال الله له: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}، أمره أن يتواضع معهم ويرفق بهم، وجاء الأمر في صورة حسية مجسمة، هي صورة خفض الجناح كما يخفض الطائر جناحيه حين يهم بالهبوط.

لذلك كان النبي يعيش الـرفـــق في سائر أحواله وشؤون دينه ودنياه، تقول السيدة عائشة: “ما خُيّر رسول الله بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه”، ويقول أنس بن مالك: “خدمت رسول الله عشر سنين، والله ما قال لي أف قط، ولا قال لي: لمَ فعلت كذا؟ وهلا فعلت كذا؟”، و”ما ضرب النبي شيئاً بيده ولا امرأة ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله”.

وكان النبي رفيقا بالناس حتى في العبادات، يقول: “إني لأدخل الصلاة أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي فأخفّف من شدة وجْد أمه به”، والوجد الحب والحزن، وكلاهما صالح للسياق، و”جَاءَه رَجُلٌ فَقَالَ: إنِّي لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلاةِ الصُّبْحِ مِنْ أَجْلِ فُلانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ غَضِبَ فِي مَوْعِظَةٍ قَطُّ أَشَدَّ مِمَّا غَضِبَ يَوْمَئِذٍ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيُوجِزْ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِهِ الْكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ”، وصلى معاذ بالناس فقرأ سورة البقرة أو النساء، فشكاه الناس إلى رسول الله، فقال النبي: أفتّان أنت يا معاذ؟! (والاستفهام استنكاري)، فلولا صليت بـ سبح اسم ربك والشمس وضحاها والليل إذا يغشى، فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذوالحاجة.

وكان النبي رفيقا في توجيهاته، “بال أعرابي في المسجد فقام الناس إليه ليقعوا فيه، فقال النبي: دعوه وأريقوا على بوله سَجْلاً (دلوا) من ماء، إنما بعثتم ميسّرين ولم تبعثوا معسّرين”، وقبّل رجل امرأة فجاء النبي نادما فصلى معه العصر، فبيّن له النبي أن الصلاة كفارة لذنبه دون أن يعنّفه، بل كان النبي رفيقا مع غير المسلمين، تقول السيدة عائشة: “دخل رهط من اليهود على رسول الله، فقالوا: السام عليك، ففهمتُها فقلت: عليكم السام واللعنة، فقال رسول الله: مهلاً يا عائشة، فإن الله يحب الرفق في الأمر كله، فقلت: يا رسول الله، أو لم تسمع ما قالوا؟ قال: فقد قلت: عليكم”.

وكان النبي حريصا على الرفــق داخل الأسرة، فجاءت توجيهاته تمدح الرفـق في البيوت وتحث عليه، فقال: “إذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم الرفق”، فيرفق بعضهم ببعض، وقال لعائشة: “عليك بالرفق، إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه”، وقال: “رفقاً بالقوارير”، و”استوصوا بالنساء خيراً”.

زر الذهاب إلى الأعلى