الدين والحياة

لقاء الجمعة: القيم الإنسانية (15)

كتب_أ. د:علاء حمزاوي

من القيم الإنسانية في الإسلام قيـمة “الـوفـــاء”، فهو من مكارم الأخلاق، ومعناه أن تفي بما التزمت به من وعد أو عهد أو عقد، والوعد إلـزام المرء نفسه بفعل شيء طيب عكس الوعيد فهو للتهديد والتخويف، والميعاد وقت أو مكان الوفاء، أما العهد فهو التزام مشروط بين طرفين، ويأثم المرء بنقضه، ويسمى معاهدة، والعقد هو العهد الموثق أو الميثاق، وعلى ذلك فالوفاء حفظ للعهود والوعود وأداء للأمانات واعتراف بالجميل وصيانة للمودة، وهو ضد الغدر، ولا يتصف به إلا قليل، قال تعالى: {وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ}، والناس بحاجة إلى هذه القيمة؛ لأن تعاونهم ضرورة مجتمعية، ولا يتم إلا إذا ضمنوا الوفاء بالعهود والمواثيق فيما بينهم.

من هنا أمر الله بالوفاء، فقال: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}، و{أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ}، وسوف يُسأَل المرء يوم القيامة عن وفائه بالتزامه، قال تعالى: {إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا}، فإن أخلف المرء وعده وضيّع عهده كان منافقا؛ فـ”أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غـدر، وإذا خاصم فجر”، بل من خسر الوفاء انسلخ من دينه وإنسانيته، فــ”لا دين لمن لا عهد له”، فعلى المسلم أن يفي بما التزم به مع المسلمين وغيرهم؛ فالوفاء واجب للجميع، و{مَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}.

والوفاء صفة لله، قال تعالى: {ومن أوفى بعهده من الله}، وهو صفة للأنبياء، قال تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى}، وإسماعيل {كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ}، والوفاء صفة للنبي، “سأل هِـرَقْـلَ أباسفيان بم يَأْمُرُهمْ النبي؟ فقال: إنهُ يأَمر بِالصَّلاَةِ وَالصِّدْقِ وَالعَفَافِ وَالوَفَاءِ بِالعَهْدِ وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ، قَالَ هرقل: هَذِهِ صفات نَبِيٍّ”، وكان وفيا مع الكفار، لما أجاره المُطعِم بن عَدِيّ من قريش حفظ النبي هذا الموقف له، ففي أسرى بدر قال: “لو كان المُطعِم بن عَدِيّ حيًّا ثم كلمني في هؤلاء لتركتهم له”، والوفاء صفة للمؤمنين، فهم: {الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عاهدوا}.

لكن كيف يكون الوفاء؟ الوفاء لله بحسن العبادة والطاعة، والوفاء للنبي باتباع سنته، والوفاء للوالدين بالطاعة والإحسان، والوفاء للزوجة باحترامها وتقديرها وما اشترطه لها، “أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوج”، وكان النبي أوفى الأزواج، يقول عن خديجة بعد موتها: إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا”، والوفاء للزوج بطاعته واحترامه ومساندته وعدم جحود فضله؛ فأكثر أهل النار من النساء بسبب جحود فضل الأزواج.

والوفاء للناس يكون بالصدق والعفو والالتزام، أتى شابان إلى عمر بن الخطاب يقودان رجلا قتل أباهما، فحكم عمر بالقصاص، فاستأذنه الرجل أن يودّع زوجته وأطفاله، فقال عمر: مَن يكفُلك حتى ترجع؟ فسكت الناس جميعًا؛ لأنهم لا يعرفونه، ورفض الشابان العفو عنه، فحزن عمر، فقال أبوذر: أنا أكفُله، فقال عمر: إنه قَتْل، أتعرفه؟ فقال: لا، لكن رأيت فيه سِمات المؤمنين، وسوف يفِي بعهده إن شاء الله، فقال عمر: يا أبا ذر ستكون مكانه إن لم يرجع، فقال: الله المستعان، فأعطاه مهلة ثلاث ليالٍ يُودع ‏أهله، فتأخر الرجل فمثُل أبوذر أمام عمر، ثم حضر الرجل، فكبَّر عمر وكبَّر الناس، فقال عمر للرجل: نحن لا نعرفك فلماذا أتيت؟ قال: حتى لا يُقال: ذهب الوفاء من الناس، فسأل عمر أبا ذر: لماذا ضمنته؟ قال: حتى لا يُقال: ذهبت المروءة من الناس، فقال الشابان: اتركه يا أمير المؤمنين، فقال عمر: لماذا؟ فقالا: حتى لا يقال: ذهب العفو من الناس، فكبّر عمر وكبّر الحضور.

زر الذهاب إلى الأعلى