الدين والحياة

لقاء الجمعة: القيم الإنسانية (16)

كتب_أ. د:علاء حمزاوي

من القيم الإنسانية في الإسلام قيـمة “التعـاون”، وهو من العون، تعاون الناس أي أعان بعضهم بعضًا، والتعاون الحقيقي يكون في الحق والخير، لذا فهو قيمة اجتماعية عالية، بل هو ضرورة مِن ضرورات الحياة، به يُنْجز العمل بسرعة وإتقان، وبه يشعر كل فرد بقيمته في المجتمع، وبه يعيش المجتمع مستقرا تسوده المحبّة والألفة، ولأن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه فهو مجبر على التعاون مع الآخرين؛ لذا خلق الله النّاس مختلفين يحتاج بعضهم بعضا ليتعاونوا، قال تعالى: {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا}، وحدد ربنا نوع التعاون، فقال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ}، وهذه الآية اشتملت على جميع مصالح العباد في المعاش والمعاد، فالبــرّ جامع لخصال الخير في الدنيا، والتقوى جامعة لخصال الخير في الآخرة، والإثم والعدوان مدمران للفرد والمجتمع، فالآية جماع الدِّين كلّه.

والتعاون المثمر يربّي في الإنسان الإيجابية وحب الخير؛ لذا مدحه الله في قوله تعالى: { إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ}، فالتواصي بالحق من التعاون على البــرِّ والتقوى، وحثّ النبي على التعاون المثمر في قوله: “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضُه بعضا”، و”البركة في ثلاثة: في الجماعة والثريد والسحور” (الثريد الفتة باللحمة)، وأخبر أن أحبّ الأعمال إلى الله سرور يُدخله المسلم على أخيه، يكشف عنه كربة أو يقضي عنه دَيْنا أو يطرد عنه جوعا، ولأن يمشي معه في حاجته أحب إلى الله من اعتكاف شهر في المسجد النبوي، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته.

وللتعاون المثمر آثار طيبة على الفرد والمجتمع، فالأسرة التي يتعاون أفرادها على الخير أسرة سعيدة، والمجتمع الذي يتعاون أفراده على الخير كمساعدة الفقراء ومعالجة المرضى وكفالة اليتامى والاهتمام بالتعليم هو مجتمع مستقر بنّاء، يعمّ فيه الأمن والحب والرخاء،وساق القرآن نموذجا للتعاون الأسري بتعاون إسماعيل وإبراهيم في بناء الكعبة، قال إبراهيم: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: أعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني ها هنا بيتا، فكان التعاون أن يأتي إسماعيل بالحجارة، وإبراهيم يبني حتى تم البناء، فطافا حوله يقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.

كما ساق القرآن نموذجا للتعاون على مستوى المجتمع في محاربة الفساد بقصة ذي القرنين: {قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا}، بفضل العقلية المنظّمة والفكر الرفيع للحاكم والتعاون المثمر من المجتمع استطاع ذوالقرنين أن يجعل من شعب متخلّف مقهور شعبا قويا منتجا ســـدّا باقيا إلى قيام الساعة، وفي أزمة كورونا الحاضرة ظهر التعاون المثمر بتقديم المساعدات للدول الأكثر إصابة، وكانت مصرنا الحبيبة بقيادتها الحكيمة صاحبة أياد بيضاء في ذلك.

والتعاون المثمر يستوجب أمرين: النية الصادقة في الشركاء؛ ففساد النية يلحق الضرر بهم وبالعمل، وساق الله نموذجا لفساد النية بالمتخلفين عن غزوة تبوك، فقال تعالى: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالا}، أي لو خرجوا في الجيش لأفسدوا فثبطوا عزيمة الجند؛ لأنهم منافقون، والثاني: التوافق بين المتعاونين؛ لأن التنازع بينهم يُضعِفهم ويُفشِلهم؛ لذا حذر الله منه، فقال تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} أي قوتكم، فتعاونوا يعنكم الله.

زر الذهاب إلى الأعلى